يتم التحميل...

ما هي العلاقة بين الثقافة والحضارة؟

من جملة المقولات الجديرة بالعرض في بحث هجرة وأفول الحضارات، أنه ما هو الذي يهاجر، وما هو الشيء الذي يتعرض للأفول حيث يمكن إدراك ذلك من خلال الآثار المتبقية بالأخص الآثار الثقافية التي تعود إلى الحضارات القديمة.

عدد الزوار: 10

ما هي العلاقة بين الثقافة والحضارة؟

من جملة المقولات الجديرة بالعرض في بحث هجرة وأفول الحضارات، أنه ما هو الذي يهاجر، وما هو الشيء الذي يتعرض للأفول حيث يمكن إدراك ذلك من خلال الآثار المتبقية بالأخص الآثار الثقافية التي تعود إلى الحضارات القديمة. استعملت الثقافة أو فرهنگ وفرهنج في الفارسية بمعنى العلم والعقل والفضل والأدب والعظمة والتدبير. وتطلق هاتان العبارتان في الفارسية على الشجرة التي تموت في أرض لتخرج من مكان آخر[1].
 
وذُكر لعبارة Culture في الإنجليزية المعنى الذي ذُكر لعبارة فرهنگ في الفارسية: الزراعة، التعليم والتربية، الحضارة، الاستعداد والتهذيب.[2]
 
يكتب أحد أصحاب الاختصاص حول التناسب والتلاؤم بين عبارة الثقافة في الإنجليزية والفرنسية والفارسية، مذكراً بالنقطة الآتية:
"إنّ عبارة "Culture" في الإنجليزية والفرنسية والتي يقابلها في الفارسية عبارة فرهنگ، تعني في الأصل شقّ الطرق والحراثة. تترك الثقافة والمعرفة أثراً في الذهن شبيهاً بالشقّ والحراثة حيث تزرع في حياته بذور الفهم والشعور وكمال المعرفة، وفي النهاية تثمر حديقة الروح الآدمية وورود المعرفة والإيمان...".[3]
 
يجب الالتفات إلى أنه ذُكر في معنى الثقافة في اللغة الفارسية أنها تعني المعرفة والأدب والتدبير وهي بمعنى التعليم والتربية والتهذيب أيضاً. وهذا يعني أنّ العلم الذي يحمل عنوان الثقافة هو الذي يجتمع مع التدبير والأدب والتعليم، وذو القيمة هو الذي يترافق مع التهذيب والتربية.
 
المسألة الأخرى الجديرة بالاهتمام في المعنى اللغوي لعبارة "فرهنگ" والتي تعني "الفرع"، فلا يقصد منها كلّ فرع، بل المقصود الفرع اللّين من الشجرة والقابل للانعطاف والطريّ.
 
يجب أخذ هذا المعنى بعين الاعتبار في المعرفة والثقافة. الثقافة تبقى حتى لو فُصلت عن أصلها إذ إنّ بإمكانها الحياة والتأقلم مع البيئة الجديدة. وإذا كان الجذع الأساس للشجرة لا بد أن يجفّ مع مرور الزمان إلّا أنّ الفروع والأغصان والتي هي روح الشجرة هي التي تطلّ من جديد من أماكن أخرى فتنمو وتكبر وتثمر في أرض أخرى.
 
إذا اعتبرنا أنّ الثقافة هي بذرة الحضارة، فإذا ماتت الحضارة فإن بذورها لا تموت ولا تزول بل يمكن أن تنمو من جديد في مكان آخر.
 
هناك آراء متعدّدة في هذا الخصوص تساهم في مجموعها في توضيح حقيقة العلاقة بين الثقافة والحضارة، اعتبر بعض المفكّرين أنّ الثقافة والحضارة بمعنى واحد واختلافهما هو في دائرة الشمول: إنّ دائرة الثقافة محدودة ودائرة الحضارة واسعة. قيل في تعريف الحضارة: "حضارة الأمّة عبارة عن مجموعة المُثْل والعادات والسنن الموروثة والسنن والعلوم والفنون والمراكز الاجتماعية التي تساهم في بقاء المجتمع البشري وتنقلها نحو التكامل".[4]
 
وفي عبارة أخرى:
"الثقافة عبارة عن الوجود القوميّ والوطنيّ الخاصّ، بينما الحضارة عبارة عن: المظهرة للوجوه العامّة للبشرية".[5]
 
وأُطلق لفظ الحضارة على التقارب الثقافي بين العائلات الكبيرة.[6]
 
الحضارة طبق رؤية أخرى عبارة عن حالة التوحّد التي تظهر على الثقافات المتعدّدة، وهي عبارة عن الأوج الثقافي. يقول صاموئيل هانتينغتون بعد توضيحه أنّ كلاً من الثقافة والحضارة تشتملان على القيم، الضوابط، المناهج الفكرية والمؤسسات ذات الأهمية الكبيرة عند الأجيال في كلّ مجتمع.[7]
 
"الحضارة ذات وجود ثقافي، والحضارة هي أكبر اجتماع ثقافي وأوسع مستوى من الهوية الثقافية التي يمتلكها الشخص. تُعرّف الحضارة من حيث العناصر العينية المشتركة فهي: لغة التاريخ، المذهب، السنن والمؤسّسات، وتُعرّف من حيث الارتباط والقرابة الذهنية والباطنية للإنسان".[8]
 
وقد قدّم ويل ديورانت تعريفاً للحضارة شبيهاً بالتعريف المتقدّم، فاعتبر الحضارة عبارة عن الإبداع الثقافي: "الحضارة بمعناها العامّ عبارة عن النظم الاجتماعي الذي يؤدي في النتيجة إلى الإبداع الثقافي وبالتالي السيلان. يمكن تحديد أربعة أركان أو عناصر أساسية في الحضارة وهي عبارة عن: التوقع والاحتياط في الأمور الاقتصادية، المؤسّسة السياسية، السنن الأخلاقية، والعمل في سبيل المعرفة وبسط الفنون"[9].
 
ذكر في هذا التعريف أنّ النظم الاجتماعي والقانون هما وسيلة الإبداع الثقافي الذي هو أساس الحضارة. وكتب في مكان آخر أنّ الثقافة واحدة من العناصر الأربعة التي تتركّب منها الحضارة إلى جانب، الأمن، النظم والحرية: "الأمن ضروري ولازم عن طريق الأخلاق والقانون، والأمن الاقتصادي عن طريق الاستمرار في الإنتاج والتبادل، والثقافة عن طريق التسهيلات الضرورية للنموّ وانتقال العلم والآداب والفنون"[10].
 
من هنا يمكن القول إنّ للثقافة هوية أخرى مستقلّة عن الحضارة، وبالتالي الاعتقاد بأنّ الثقافة تختلف عن الحضارة. هما ظاهرتان مختلفتان إلا أنهما مرتبطتان من دون أن يكون بينهما أي شكل من الملازمة. يقول أصحاب هذه الرؤية في إثبات مدّعاهم: هناك الكثير من المجتمعات التي وصلت الثقافة فيها إلى أدنى المراتب، مع أنها مجتمعات متحضّرة تقابل المجتمعات التي لا نصيب لها من الحضارة مع أنها صاحبة ثقافة، وعليه فكما أنّ هناك حضارة من دون ثقافة، هناك ثقافة من دون حضارة أيضاً.[11]
 
إذاً يمكن القول إنّ أيّاً من الحضارات لا يمكن أن تتطور من دون خلفية ثقافية، وكلّ حضارة إنما تظهر في ظلّ الثقافة ولكن ليس من الصحيح أنّ كلّ ثقافة تؤدّي إلى وجود حضارة.
 
استخدم المفكّرون الأنغلوساكسونيون الثقافة بمعنى عامّ واعتبروها تشتمل على الحضارة. لقد وضع هؤلاء الثقافة والحضارة في مقابل بعضهما البعض. أطلقوا الحضارة على مجموع العناصر المادية والآثار الفنية وأشكال وصور المؤسّسات الاجتماعية التي تهيّئ المجتمع للظهور.
 
الثقافة طبق هذه الرؤية عبارة عن مجموع الظواهر المعنوية والاخلاقيات الأدبية والفنية والإيديولوجيات التي تؤدي إلى وجود واقع جديد خاصّ بأمة معينة في مرحلة محدّدة[12].
 
وعلى هذا الأساس يعتقد البعض أنّ الحضارة ما مادامت في حالة البروز والوجود فهي عبارة عن الحضارة حيث تكتسب عنوان الحضارة عندما تظهر بحالة الثبات ويكون آثارٌ وأبعادٌ مادية. وأمّا عند المقارنة بين الحضارات لمعرفة الحضارة الكبرى، فيؤخذ بعين الاعتبار الرؤى والعلوم وكذلك الأبعاد التاريخية والتقدم والتطور الظاهر في الآثار التي تركتها الحضارات.
 
يبدو أنّ الأستاذ مطهّري من جملة الأشخاص الذين أكّدوا على هذه المسألة في التفريق بين الحضارة والثقافة. اعتبر الشهيد مطهّري أنّ الاختراعات تعود إلى الحضارة بينما تنشأ المعنويات من الثقافة[13]. ويعتقد إلى جانب ذلك أن البشريّة لن تكون موفّقة من دون أخلاق ومعنويات.
 
"الإنسان المنحطّ من الناحية الأخلاقية، لن يكون موفّقاً في أعماله الأخرى. من هنا، كانت الأبعاد المعنوية للحضارة الإنسانية ذات تأثير واضح، لا بل آثارها كبيرة وفوق التصوّر، إذ لا يمكنها أن تكون غير مؤثّرة"[14].
 
ممّا لا شكّ فيه أنّ الحضارة لا يمكن أن تقوم من دون ثقافة مرنة، وبالتالي لا يمكنها الاستمرار. لا يمكن أن تكون الحضارة من دون مبدأ وأرضية قبلية. والثقافة هي مبدأ الحضارة.
 
الثقافة هي التي تدفع المجتمع نحو الأمام، وترفعه إلى مستوى أعلى، إنّها تؤدّي إلى ظهور الحضارة.
 
وتترافق الحضارة والثقافة مع بعضهما بعد ظهور الحضارة، فإذا فقدت الحضارة الثقافة المرنة التي ساهمت في وجودها، اضمحلّت وتوقّفت مع مرور الزمان وتوجّهت نحو الأفول، فتخرج روحها والتي هي الثقافة من بدنها حيث تنتقل إلى أرض أكثر استعداداً لقبول الثقافة، فتظهر حضارة أخرى.
 
وبعد هذا التحوّل، لا يبقى من الحضارة المتقدمة إلا الاسم. وتحفظ آثارها العلمية في الكتب والآثار التاريخية في البناء. يعتقد الأستاذ مطهّري أنّ الحضارة تبقى وهي غير مختصّة بقوم محدّد! والثقافة عبارة عن روح الأمم والأمة التي تنتزع روحها منها، لا تبقى أمة حيث تفقد القدرة على التطوّر:
 
"يفرقون بين الثقافة والحضارة ويقولون: الحضارة عامّة، أي أنها غير مختصّة بقوم محدّد، إلّا أنّ ثقافة كلّ أمة عبارة عن روح تلك الأمّة... إنّ للمجتمع روحاً، وروحه عبارة عن الثقافة وتبقى كلّ أمة ما دامت ثقافتها باقية وتزول الأمة عندما تزول ثقافتها. لذلك يقولون: إذا أردتم القضاء على أمة، عليكم القضاء على ثقافتها بداية، وعندما يسلبون الأمة ثقافتها، فقد نزعوا روحها، وعندما ينزعون الروح، تموت، وتصبح الأمة مجرد أشلاء لا يمكنها البقاء... على كل الأحوال الثقافة هي روح المجتمع"[15].
 
ولأنّ الثقافة مهمّة في الحضارة تحدّث ويل ديورانت عن عناصر الحضارة الثمانية حيث كانت الثقافة والمعنويات تشكّل ستة عناصر منها.
 
أمّا عناصر الحضارة من وجهة نظره فهي عبارة عن: "العمل، الدولة، الأخلاق، الدين، العلم، الفلسفة، الأدب، والفن"[16].
 
يُستنتج ممّا تقدّم أنّ الرؤى الأربع المتقدمة تتمحور في جزء من الأفق الواحد:
أ- وحدة الثقافة والحضارة.
ب- تُطلق الثقافة على الوجه المعنويّ والحضارة على الوجه الماديّ.
ج- الثقافة ذات بُعْد قومي بينما الحضارة ذات بُعْد عامّ.
د- الثقافة هي الوجه المرن للحضارة والحضارة هي وجهها الثابت. بشكل عامّ، فإن الثقافة التي هي روح وباطن الحضارة، هي سبب حركتها وانتشارها وتعاليها. عندما تفقد الحضارة قواها المتحركة وعندما لا تتمكّن من زيادتها، تصبح مقعدة وعند ذلك تكسر الثقافة هذا البدن الذي أصبح غير مناسب لنموّها ورشدها فتهاجر إلى مكان آخر فيبقى الوجه المادي للحضارة. وقد ذكر أغلب الفرق هذه المسألة.
 
* من كتاب: روضة المبلغين (4) – 2015م - جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


[1] البرهان القاطع، برهان الخلف للتبريزي، 1481،أمير كبير.
[2] القاموس الجامعي انكليزي- فارسي آريان بور،ج1، 526.
[3] عالم اليوم وغداً، على أكبر كسمائي، 488، مؤسسة اطلاعات، طهران.
[4] دائرة معارف العلوم الاجتماعية المقارنة، عليرضا شايان مهر، ج1، 402، انتشارات كيهان، طهران.
[5] تاريخ الحضارة، علي شريعتي،ج1، 14.
[6] دائرة معارف العلوم الاجتماعية المقارنة،ج1، 404.
[7] حوار الحضارات وصدامها، السيد صادق حقيقت، 27،نقلاً عن صدام الحضارات، صاموئيل هانتنغتون، ترجمة مجتبى أميري.
[8] قبسات، العدد 14، 132.
[9] تاريخ الحضارة، د. علي شريعتي،ج1، 3.
[10] لذات الفلسفة، ويل ديورانت، ترجمة عباس زرياب الخوئي، الانتشارات العلمية الثقافية، طهران.
[11] قبسات، العدد 14، 119.
[12] قاموس العلوم الاجتماعية، آلن بيرو، ترجمة د. باقر ساروخاني، انتشارات كيهان.
[13] فلسفة التاريخ، الشهيد مطهري،ج1، 32، 45، صدرا، طهران.
[14] م. ن، 32.
[15] م. ن، 45.
[16] تاريخ الحضارة، ج1، 990.

2026-07-13