يتم التحميل...

الإمام الخامنئي (قدس سره) وبناء الأمة المنتجة للعلم

في مطالعة خطب الإمام الخامنئيّ قدس سره عن العلم، يتوقّف المرء أمام التكرار لأهمّيّة العلم وربطه بالدور المناط بالجمهوريّة إقليميّاً وعالميّاً. ويمكننا فهم هذا التكرار تشديداً في ربط توجّه الأمّة نحو العلم، وإثارة الأجواء نحو الجهاد العلميّ الذي دعا إليه، والذي كنا قد بينّاه في الفصول السابقة، فيقول في خطبة أمام رؤساء الجامعات ومؤسّسات التعليم العالي ومراكز الأبحاث:

عدد الزوار: 14

الإمام الخامنئي (قدس سره) وبناء الأمة المنتجة للعلم

في مطالعة خطب الإمام الخامنئيّ قدس سره عن العلم، يتوقّف المرء أمام التكرار لأهمّيّة العلم وربطه بالدور المناط بالجمهوريّة إقليميّاً وعالميّاً. ويمكننا فهم هذا التكرار تشديداً في ربط توجّه الأمّة نحو العلم، وإثارة الأجواء نحو الجهاد العلميّ الذي دعا إليه، والذي كنا قد بينّاه في الفصول السابقة، فيقول في خطبة أمام رؤساء الجامعات ومؤسّسات التعليم العالي ومراكز الأبحاث:

"مع أنّ الحديث عن العلم أصبح مكرراً، إلّا أنّه في الوقت نفسه يحتاج إلى التكرار، وعلينا أن نتكلّم بملء أفواهنا وبكلّ ما تحمل هذه الكلمة من معنى، بالقدر الذي يكون كافياً للإيمان بهذه المسألة الضروريّة، ونقوم بإنقاذ البلد من المرض المزمن الذي ابتُلي به على مدى العهود المتمادية، ليتّجه نحو الاهتمام بالعلم والتركيز على البحث.
 
بناءً على ذلك، فإنّ العلم هو مسألة حياتيّة بالنسبة إلى حاضرنا ومستقبلنا، فإذا ما افتقرنا في المجال العلميّ، فإنّ أيّ عمل آخر نقوم به، سوف يكون عقيماً ومن ودون نتيجة.
 
إنّ طاقاتنا البشريّة للغور في ميدان العلم، والتقدّم فيه، طاقات جيدة، فهي أفضل وأعلى من معدّل الطاقات التي يمتلكها أفراد العالم، وهذا يعتبر من المسلّمات في الوقت الراهن"[1].
 
بالعلم نقوم بدورنا المطلوب
فالرسالة التي تحدّث عنها الإمام الخامنئيّ قدس سره، والتي استعرضناها سابقاً، تبدأ إرهاصاتها في إنقاذ البلاد من براثن الجهل والتخلّف، ثمّ لتنطلق في مراكمة المعرفة والتجربة والبحث العلميّ، وصولاً إلى التأثير وقيادة الأمّة نحو النجاحين اللذين يُنتظران، نموّ وتقدّم في الداخل، وتقديم النموذج لسائر الأمم، وصولاً إلى التدخّل لإحقاق الحقّ الدوليّ ومنع الباطل الدوليّ. ثمّ يعطي الإمام الخامنئيّ قدس سره النموذج الحيّ عن عقبات تحقيق هذه الرسالة، فرسالة إيران هي أكبر من هذه الكلمات: منع الظلم في العالم، تحقيق العدالة بين الأمم، مساعدة الأمم الضعيفة على النهوض، لأجل ذلك ينبغي أن تكون إيران بلداً مقتدراً، مؤهلاً للقيام بهذا الدور العظيم ولأجل ذلك يتطلّب الاقتدار الوطنيّ الأخذ بأسباب العلم والإيمان: العلم يؤدّي للثروة والاقتدار السياسيّ والعسكريّ... هذا هو تفسير رواية: "العلم سلطان"، فمن يمتلك العلم يمتلك اليد العليا، وهذه اليد إمّا لكم وإمّا عليكم، ولا حالة برزخيّة، وإذا خسرتم ميدان العلم فستجدون من يتدخّل في قراركم وثرواتكم وفي مصيركم... بهذه الكلمات، حدّد الإمام الخامنئيّ قدس سره أخطر المرتكزات وأوضحها، التي يؤسّس عليها رؤيته للعلم: العلم معيار الغلبة أو الهزيمة، وهو يتحرّك بالتكامل مع معيار الإيمان الذي يقود نحو الإرادة، ثمّ كسر الموانع نحو تحقيق النصر من خارج الموازين الوضعيّة.
 
كونوا منتجين للعلم
ويحذّر الإمام الخامنئيّ قدس سره في إحدى الخطب السابقة من الاعتماد على الآخرين في طلب العلم، فيصف العلم بأنّه:
"أساس التقنيّة المتطورة وتقدّم الحضارة المادّيّة والمدنيّة المتعلّقة بالمسائل الحياتيّة. ولو كان همّكم الاعتماد على الآخرين في هذا العلم والقيام بعمليّة الاستهلاك، فسوف لن تتمكّنوا من تحقيق أيّ هدف، فالعلم ليس سلعاً استهلاكية نستوردها، بل على الأمّة إيجادها، وإلّا حرمت منها، وهذا هو تماماً ديدن الغرب في التعاطي مع ملف الطاقة النوويّة السلميّة لإيران. لا يريد الغرب امتلاك إيران تقنيّة الطاقة النوويّة السلميّة، لكي تبقى محتاجة إليهم وأسيرة قرارهم السياسيّ، يعطونها متى رضوا، ويحرمونها متى خرجت من منظومتهم السياسيّة والاقتصاديّة"[2].
 
تقدُّمنا لصالح البشريّة كلّها
عن أيّ تقدّم علميّ يتحدّث الإمام الخامنئيّ قدس سره؟

ثمّة كلامٌ متنوّعٌ ذكره الإمام الخامنئيّ قدس سره في أزمة مختلفة حول التقدّم العلميّ في الجمهوريّة: ماهيته، دوره، عناصره، وقد بدت لنا الصورة الجلية لما يريد من التقدّم، وعن أيّ تقدّم علميّ يتحدّث، عندما بدأ يؤسّس للنموذج الإسلاميّ الإيرانيّ للتقدّم بشكل انفرد به عن غيره من سائر قادة العالم الذين عرفناهم طيلة قرون عدّة، فيقول في إحدى خطبه أمام جمهور من أهل العلم والبحث العلميّ:
"إنّ ركب التقدّم انطلق مع انطلاقة الثورة، وإنّ الاعتقاد بأنّ التطوّر العلميّ عندنا يجب أن يكون مناطاً بالنماذج الغربيّة هو خطر داهم على بلدنا ككلّ، فالتقدّم هو تقدّم الغرب، بينما الآخرون لا يزالون في تخلّف، هذا هو النموذج الغربيّ للتقدّم.
 
إنّ علينا البحث عن نموذج إسلاميّ - إيرانيّ للتقدّم، وهذه مسألة حيويّة لنا، وهذا النموذج لا بدّ من وأن يكون قائماً على المثل النظرية والفلسفيّة الإسلاميّة ومبادئ الإسلام في معرفة الإنسان، وشعبنا قادر على تقديم نموذج إسلاميّ.
 
ثمّة بونٌ شاسعٌ بين نظرة المجتمع الغربيّ والفلسفة الغربيّة إلى الإنسان، وبين نظرة الإسلام إلى الإنسان، وهذا التفاوت عميق، وثمّة معنى آخر للتطوّر في المنطق والفلسفة الغربيّة للتطوّر. التقدّم عند الغرب هو التقدّم المادّيّ، والملاك هو الربح المادّيّ، فكلّما كان الربح المادّيّ أكبر كان التقدّم أكبر، فالمعيار هو تضاعف السلطة والثروة المادّيّة، وهذا يعني التضحية بالأخلاق والقيم المعنويّة، أمّا التقدّم من وجهة نظر الإسلام فهو تقدّم مادّيّ ولا غبار عليه، لكن بشرط أن يكون وسيلة لا غاية، فالغاية هي رفعة الإنسان وسموّه، وتقوية الهويّة الإنسانيّة للإنسان، والتقدّم الذي ننشده، نريده ليكون لصالح البشريّة والإنسانيّة بأجمعهم، لا الإنسان الإيرانيّ فقط"[3].
 
* من كتاب: العلم في مشروع الإمام الخامنئيّ قدس سره نهوض واقتدار بأخلاقيّات سامية متأصّلة - جمعيّة مراكز الإمام الخمينيّ الثقافيّة


[1] خطاب بتاريخ 14/8/2006م، بعنوان: "أهمّيّة العلم"، بحضور رؤساء الجامعات ومراكز الأبحاث.
[2] خطاب بتاريخ 14/8/2006م، بعنوان: "أهمّيّة العلم"، بحضور رؤساء الجامعات ومراكز الأبحاث.
[3] خطاب بتاريخ 15/5/2007م، بعنوان: "العمل على رفع المستوى العلميّ للجامعات"، بحضور أساتذة جامعة فردوسي.

2026-07-06