يتم التحميل...

الخطاب الثقافي (رقم 62)

الشهداء وبناء العزّة

عدد الزوار: 11

على عهدِنا باقون، ولخطِّ الإمام القائدِ الشهيدِ مستمرّون.

التعميمُ الثقافيُّ اليوميُّ في أيّامِ الجهادِ في سبيلِ الله، زادٌ لتقويةِ النفوسِ، وشدٍّ للعزائمِ، وترسيخ للثباتِ في الميدان.


الخطاب الثقافي (رقم 62)

الشهداء وبناء العزّة
 

تُعدّ الشهادة في سبيل الله من أعظم القيَم التي تحفظ للأمم عزّتها وكرامتها، ومن أهمّ مقوّمات مواجهة الظلم والعدوان؛ فالإنسان بفطرته يدافع عن نفسه وأهله ووطنه، وقد يقدّم أغلى ما يملك في سبيل حماية ما يؤمن به. وما من نهضة صادقة أو ثورة قائمة على الحقّ والمبادئ إلّا وقد سُقيَت بتضحياتٍ عظيمة ودماء طاهرة قدّمها رجال أوفياء صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

والشهادة في المنظور الإسلاميّ ليست خسارة، بل هي إحدى الحُسْنيَين؛ فالمؤمن بين نصر يحقّقه، أو شهادة ينال بها رضوان الله تعالى.

قال عزّ وجلّ:

﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ (سورة التوبة، الآية 52)؛ ولذلك عُدَّت الشهادة أعلى مراتب البرّ، فعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «فوق كلّ ذي برّ برّ، حتى يُقتل الرجل في سبيل الله، فإذا قُتل في سبيل الله فليس فوقه برّ» (الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص348).

غير أنّ الشهادة ليست طلباً للموت ولا هروباً من الحياة، فالموت حقيقة لا مفرّ منها، ولكنّ المؤمن يختار أشرف السبل إلى ربّه إذا فُرضت عليه المواجهة دفاعاً عن الحقّ والكرامة؛ ولهذا قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «إِنَّ الْمَوْتَ طَالِبٌ حَثِيثٌ لَا يَفُوتُه الْمُقِيمُ، ولَا يُعْجِزُه الْهَارِبُ، إِنَّ أَكْرَمَ الْمَوْتِ الْقَتْلُ» (السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص180، الخطبة 123)، وقال النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلم): «أشرف الموت قتل الشهادة» (الشيخ الصدوق، الأمالي، ص576).

وقد خصّ الله الشهداء بمقام عظيم، فهم أحياء عند ربّهم حياةً خاصّة لا يدرك حقيقتها أهل الدنيا.

قال تعالى:

﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (سورة البقرة، الآية 154). وهم في عداد المُنعَم عليهم مع النبيّين والصدّيقين والصالحين، وقد وعدهم الله بالمغفرة والجنّات.

فقال سبحانه:
﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (سورة آل عمران، الآية 195).

كما بيّنت الروايات بعض كراماتهم، فمن أوّل قطرة من دم الشهيد تُغفر ذنوبه إلّا حقوق الناس، عن الإمام الباقر (عليه السلام): «أوّل قطرة مِن دم الشهيد كفّارةٌ لِذنوبه، إلّا الدَيْن، فإنّ كفّارَتَه قضاؤُه» (الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة (آل البيت)، ج18، ص324)،

ويخفّف الله عنه آلام الموت وشدائده، فعن النبيّ (صلّى الله عليه وآله): «ما يَجِد الشهيد مِن مسّ القَتْل إلّا كما يَجِد أحدكم مِن مَسّ القَرصة» (السيوطيّ، الدرّ المنثور، ج2، ص99)، وهو آمِن من فتنة القبر؛ لأنّ ما واجهه من أهوال في سبيل الله كان أعظم امتحان، فقد سُئل (صلّى الله عليه وآله): ما بال الشهيد لا يُفتن في قبره؟ فقال (صلّى الله عليه وآله): «كفى بالبارقةِ فوق رأسه فِتنة» (الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج5، ص54).

وقد استلهم الأحرار عبر التاريخ هذا المعنى من مدرسة الإمام الحسين (عليه السلام)، مدرسة العزّة والوفاء والتضحية. ففي ليلة عاشوراء، وبعد أن أذِن لأصحابه بالانصراف، أعلنوا ثباتهم ووفاءهم، قائلين: لو قُتلت ثمّ أُحييت ثمّ قُتلت مراراً، ما تركتك يابن رسول الله. وهكذا بقيت كربلاء تصنع رجالاً يقدّمون أرواحهم دفاعاً عن الدين والإنسان والأوطان.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا صدق النيّة، والثبات على الحقّ، وأن يحشرنا مع النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وحَسُن أولئك رفيقاً.
 

2026-06-12