يتم التحميل...

الخطاب الثقافي (رقم 61)

التأسّي بأهل البلاء من الأنبياء والأئمّة

عدد الزوار: 12

على عهدِنا باقون، ولخطِّ الإمام القائدِ الشهيدِ مستمرّون.

التعميمُ الثقافيُّ اليوميُّ في أيّامِ الجهادِ في سبيلِ الله، زادٌ لتقويةِ النفوسِ، وشدٍّ للعزائمِ، وترسيخ للثباتِ في الميدان.


الخطاب الثقافي (رقم 61)

التأسّي بأهل البلاء من الأنبياء والأئمّة
 

إنّ الحياة دار ابتلاء، وما من إنسان إلّا ويواجه فيها أنواعاً من الفقد والمصائب التي تترك أثرها في النفس. وقد يحاول بعض الناس استغلال هذه اللحظات لإثارة الشبهات أو بثّ اليأس والاعتراض، لكنّ المؤمن يمتلك في مدرسة الإسلام زاداً يعينه على الصبر والثبات، ومن أهمّ هذا الزاد: التأسّي بالأنبياء ورسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام).

فالأنبياء، وهم صفوة الخلق، ذاقوا مرارة الابتلاء؛ فمنهم مَن مات، ومنهم مَن قُتل، وكذلك أهل البيت (عليهم السلام) استشهدوا وتحمّلوا أقسى المحن. وهذا يكشف حقيقة ينبغي ألّا تغيب عن أذهاننا، وهي أنّ الدنيا ليست دار خلود، وأنّ الموت سنّة إلهيّة تشمل الجميع. فإذا كان أحبّ الخلق إلى الله لم يُستثنَوا من البلاء والفقد، فكيف يستسلم الإنسان للجزع وكأنّ المصيبة أمر خارج عن طبيعة هذه الحياة؟

ومن هنا، أرشدنا أهل البيت (عليهم السلام) إلى أن نتعزّى عند المصائب بمصيبة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فهي من أعظم المصائب التي حلّت بالأمّة، عن الإمام الصادق (عليه السلام): «مَن أُصيب بمصيبة، فليذكر مصابه بالنبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فإنّه من أعظم المصائب» (الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج3، ص220)، وذلك ما أكّده (صلّى الله عليه وآله) نفسه، وهو في مرض موته، إذ قال: «أيّها الناس، أيّما عبدٍ من أمّتي أُصيب بمصيبة من بعدي، فليتعزَّ بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بعدي، فإنّ أحداً من أمّتي لن يُصاب بمصيبة بعدي أشدّ عليه من مصيبتي» (الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة (آل البيت)، ج3، ص268).

إنّ استحضار هذه الفاجعة العظيمة لا يُلغي ألم الإنسان، لكنّه يخفّف وقعه، ويمنحه القدرة على الصبر والاحتساب؛ لأنّه يستذكر فقد أعظم قدوة وأحبّ إنسان إلى قلوب المؤمنين.

وقد سار أهل البيت (عليهم السلام) على هذا النهج؛ فعندما استُشهد أمير المؤمنين (عليه السلام)، استذكر الإمام الحسين (عليه السلام) وصيّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالتعزّي بمصابه. كما أوصى الإمام الحسين أخته السيّدة زينب (عليها السلام) قائلاً: «تعزّي بعزاء الله... وإنّ لي ولكِ ولكلّ مؤمن ومؤمنة أسوة بمحمّد (صلّى الله عليه وآله)» (ابن أعثم، الفتوح، ج5، ص84).

هذا وقد ورد الحثّ أيضاً على التأسّي بخصوص مصيبة الإمام الحسين (عليه السلام)، بل تحدّثت الروايات عن أنّ بعض الأنبياء جعلوا مصيبة الإمام الحسين (عليه السلام) قدوة لهم في الصبر على البلاء، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «إنّ إسماعيل كان رسولاً نبيّاً، سُلّط عليه قومه، فقشروا جلدة وجهه وفروة رأسه، فأتاه رسول من ربّ العالمين، فقال له: ربّك يُقرئك السلام، ويقول: قد رأيتُ ما صُنِع بك، وقد أمرني بطاعتك، فمرني بما شئت، فقال: يكون لي بالحسين بن عليّ (عليه السلام) أسوة» (الشيخ الصدوق، علل الشرائع، ج1، ص78).

إنّ التأسي بالنبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلم وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام) لا يرفع البلاء، لكنّه يمنح المؤمن بصيرةً وطمأنينةً وقوّة على التحمّل، ويحوّل المصيبة من سبب للانكسار إلى طريق للتقرّب إلى الله تعالى.

نسأل الله أن يلهمنا الصبر، وأن يرزقنا حسن الاقتداء برسوله (صلّى الله عليه وآله وسلم ) وأهل بيته (عليهم السلام)، وأن يمنّ علينا بالعزّة والكرامة في الدنيا والآخرة.

2026-06-12