يتم التحميل...

الخطاب الثقافي (رقم 60)

القلّة المؤمنة وصناعة النصر

عدد الزوار: 12

على عهدِنا باقون، ولخطِّ الإمام القائدِ الشهيدِ مستمرّون.

التعميمُ الثقافيُّ اليوميُّ في أيّامِ الجهادِ في سبيلِ الله، زادٌ لتقويةِ النفوسِ، وشدٍّ للعزائمِ، وترسيخ للثباتِ في الميدان.


الخطاب الثقافي (رقم 60)

القلّة المؤمنة وصناعة النصر

 قال الله تعالى في محكم كتابه:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (سورة الأنفال، الآية 65).
 

تكشف هذه الآية عن مجموعة من السنن الإلهيّة التي تحكم معادلة النصر والهزيمة، وتصحّح نظرتنا إلى موازين القوّة في مواجهة الطغيان.

فأوّل ما تؤكّده الآية هو دور القيادة في استنهاض الأمّة وتحريك طاقاتها؛ إذ يأمر الله تعالى نبيّه صلّى الله عليه وآله وسلم بتحريض المؤمنين، أي بثّ روح العزم والثبات فيهم، وتذكيرهم بعظمة القضيّة التي يدافعون عنها، وبما أعدّه الله للمجاهدين من الأجر والنصر.

 وهكذا كانت سيرة الأنبياء والأئمّة والقادة الربّانيّين عبر التاريخ، يبعثون الأمل في النفوس ويقودون الناس نحو تحمّل المسؤوليّة.

كما تؤكّد الآية أنّ المؤمن لا يقف موقف المتفرّج أمام الظلم والعدوان، بل يشعر بمسؤوليّته في الدفاع عن الحقّ ومواجهة الطغيان، كلٌّ بحسب موقعه وقدرته.

ثمّ تشير إلى أهمّ عوامل النصر.

فأوّلها الإيمان؛ إذ إنّ القتال في منطق القرآن ليس مجرّد مواجهة عسكريّة، بل هو تعبير عن الثبات على المبادئ والاستعداد للتضحية دفاعاً عنها.

وثانيها الصبر؛ فالصبر ليس تحمّلاً سلبيّاً، بل هو ثبات واستمرار وعدم انكسار أمام الشدائد. وهو يشمل المقاتل في الميدان كما يشمل المجتمع الحاضن له، إذ يقوّي كلٌّ منهما الآخر.

ومن أهمّ ما تقرّره الآية أنّ الكثرة العدديّة ليست معيار النصر الحاسم. فالإسلام يقدّم معادلة مختلفة: القلّة المؤمنة الصابرة قد تغلب الكثرة إذا امتلكت الإيمان والثبات والبصيرة.

 وقد شهد التاريخ أمثلة كثيرة على ذلك، منذ بدر والأحزاب ومؤتة، وصولاً إلى تجارب معاصرة انتصرت فيها شعوب قليلة الإمكانات على قوى عظمى؛ لأنّها امتلكت إرادة الصمود وعدالة القضيّة.

وتختم الآية ببيان سبب مهمّ في هزيمة أهل الباطل، وهو افتقادهم للفقه والبصيرة:

 ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾. فهم تتحكّم بهم الأهواء والمصالح الضيّقة، فإذا اشتدّت المحن تفرّقوا واضطربوا، بخلاف أصحاب الإيمان الذين تمنحهم العقيدة وضوحاً في الرؤية وثباتاً في الموقف.

إنّ النصر في منطق القرآن ليس وليد العدد والعدّة وحدهما، بل ثمرة الإيمان والصبر والبصيرة والقيادة الواعية وعدالة القضية. وقد يتأخّر تحقّقه، لكنّه لا يضيع ما دامت الأمّة متمسّكة بهذه السنن الإلهيّة.

 نسأل الله تعالى أن يثبّتنا على الحقّ، وأن ينصرنا على عدوّنا، ويعجّل فرج مولانا صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرجه).

2026-06-12