يتم التحميل...

الخطاب الثقافي (رقم 54)

الأسرة بين التحدّي والصمود

عدد الزوار: 9

على عهدِنا باقون، ولخطِّ الإمام القائدِ الشهيدِ مستمرّون.

التعميمُ الثقافيُّ اليوميُّ في أيّامِ الجهادِ في سبيلِ الله، زادٌ لتقويةِ النفوسِ، وشدٍّ للعزائمِ، وترسيخ للثباتِ في الميدان.

الخطاب الثقافي (رقم 54)

الأسرة بين التحدّي والصمود


تُعَدّ الأسرة اللبنة الأولى في بناء المجتمع الإنسانيّ عموماً، والإسلاميّ خصوصاً، وهي الحصن الدافئ الذي يحفظ الإنسان من التفكّك والضياع، ولا سيّما في الظروف الصعبة، كالحروب والنزاعات والنزوح، حيث تتعرّض الأسر لضغوطٍ نفسيّةٍ واقتصاديّةٍ واجتماعيّةٍ قاسية للغاية. ومن هنا، نطرح على أنفسنا هذا السؤال: كيف نحافظ على الأسرة في مثل هذه الظروف؟

أوّلاً: الحرب كاختبارٍ إلهيّ للأسرة
يُقرّر القرآن الكريم أنّ الحياة الإنسانيّة قائمة على الابتلاء والامتحان، قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ وَالجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ (سورة البقرة، الآية 155). وهذه السُّنّة الإلهيّة شاملة، فهي تصيب الإنسان والأسرة والمجتمع، وهي تعبّر بوضوح عن الحالة التي تعيشها الأسر في زمن الحرب؛ فالحرب تؤدّي إلى الخوف، ونقص الأموال، وفقدان الأحبّة. ولذلك، فإنّ ما تعيشه الأسر في الحروب ليس خارج السُّنن الإلهيّة، بل هو داخلٌ في دائرة الامتحان الإلهي.

وعندما نفهم هذه الحقيقة، يتحوّل البلاء إلى بابٍ للأجر والثواب، ويتحوّل الألم إلى صبرٍ وارتقاءٍ روحيّ ومعنويّ مع الله سبحانه وتعالى، وتتحوّل الفوضى إلى فرصةٍ للتماسك والثبات، وفقدان الأحبّة إلى عطاءٍ وتضحيةٍ في سبيل الله تعالى.

ثانياً: الصبر أساس الصمود الأسريّ
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ (سورة آل عمران، الآية 200).

يُعَدّ الصبر العمود الفقري لبقاء الأسرة واستمرارها في زمن الحرب، والصبر هنا لا يعني مجرّد احتمال الألم والمتاعب، بل هو ثباتٌ إراديّ واعٍ، وتماسكٌ داخليّ، وعزيمةٌ راسخة، تؤدّي إلى تقوية الأسرة في مواجهة البلاء والمصائب، وتمنع من تفكّكها وانهيارها الداخلي. ولذلك، يجب على الأب والأم والأولاد أن يتحلّوا بالوعي الكافي لمواجهة هذه المخاطر، بحيث تتحوّل الأسرة الصابرة إلى مصدرٍ للسكينة والطمأنينة والهدوء، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (سورة الروم، الآية 21).
 
فالأسرة في المنظور الإسلاميّ مكانٌ للسَّكينة والرحمة، لا للتوتّر والقلق. ومن هنا، علينا أن نحافظ على أسرنا من آثار الحروب وتبعاتها من خلال ترسيخ الصبر عمليّاً وسلوكيّاً، ليبقى البيت متماسكاً وقويّاً رغم كلّ التحدّيات.

ثالثاً: الأسرة كمنظومة دعمٍ نفسيّ متبادل
تؤكّد الآية الكريمة السابقة أنّ فلسفة تكوين الأسرة في الإسلام تقوم على المودّة والرحمة والدعم النفسيّ المتبادل بين جميع أفرادها؛ بين الأب والأم، وبين الوالدين والأولاد. وهذا المعنى يزداد أهمّيّةً في زمن الحرب، إذ ينبغي أن تتحوّل الأسرة -برغم المآسي والضغوط- إلى شبكة إنقاذٍ نفسيّ ومعنويّ لكلّ أفرادها. فالأب ليس مجرّد معيلٍ يؤمّن المال، والأم ليست فقط من تقوم بخدمة المنزل، بل المطلوب أن يتحوّل كلّ فردٍ في الأسرة إلى مصدر دعمٍ وطمأنينةٍ للآخر. وفي هذا السياق، يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): «خيركم خيركم لأهله». فالبداية الحقيقيّة للخير تكون من داخل الأسرة، ولا سيّما في الظروف الصعبة. ففي زمن الحرب، ينبغي على الأب أن يعمل على إدخال السكينة إلى قلب زوجته وأبنائه، وعلى الأم أن تحوّل مكان النزوح -برغم قساوة الظروف- إلى مساحةٍ للراحة والاطمئنان، وعلى الأولاد أن يساعدوا والديهم بالصبر والتعاون وتحمل الظروف الصعبة.

ومن أبرز مظاهر ذلك:
1. أن يقدّم الأب والأم نفسيهما كمصدر أمانٍ للأسرة.
2. ألّا يُترك الأطفال وحدهم نفسيّاً ومعنويّاً.
3. العمل على كلّ ما يُحقّق السكينة والاطمئنان داخل الأسرة.
4. تجنّب العبارات الجارحة والبذيئة التي تُحوّل الجوّ الأسريّ إلى جوٍّ سلبيّ ومتوتّر.

2026-05-21