على عهدِنا باقون، ولخطِّ الإمام القائدِ الشهيدِ مستمرّون.
التعميمُ الثقافيُّ اليوميُّ في أيّامِ الجهادِ في سبيلِ الله، زادٌ لتقويةِ النفوسِ، وشدٍّ للعزائمِ، وترسيخ للثباتِ في الميدان.
الخطاب الثقافي (رقم 52)
أمير المؤمنين والسيّدة الزهراء (عليهما السلام)
نموذج الأسرة المؤمنة في زمن الشدائد
تُعدّ حياة أمير المؤمنين والسيّدة الزهراء (عليهما السلام) من أعظم النماذج الإسلاميّة في بناء الأسرة القائمة على الإيمان والمحبّة والتعاون والصبر؛ فلقد كانت حياتهما مدرسة أخلاقيّة وروحيّة متكاملة، تجسّدت فيها القيم الإسلاميّة بأسمى صورها، حتى أصبحت مثالاً لكلّ عائلة تبحث عن الثبات والسكينة، خصوصاً في أوقات المحن والضغوط.
بدأ هذا البيت المبارك بزواج اختاره الله تعالى، فقد تقدّم عدد من الصحابة لخطبة السيّدة فاطمة (عليها السلام)، لكن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لم يوافق حتى جاء الإمام علي (عليه السلام)، وكان هذا الزواج بأمر إلهيّ. وقد ورد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال لأمير المؤمنين (عليه السلام): «يا عَلِيُّ، لَقَدْ عَاتَبَتْنِي رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِي أَمْرِ فَاطِمَةَ... فَهَبَطَ عَلَيَّ جَبْرَئِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ جَلَّ جَلَالُهُ يَقُولُ: لَوْ لَمْ أَخْلُقْ عَلِيّاً (عليه السلام)، لَمَا كَانَ لِفَاطِمَةَ ابْنَتِكَ كُفْوٌ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، آدم فَمَنْ دُوْنَهُ» (عيون أخبار الرضا، ج1، ص203).
لقد تأسّس هذا البيت على الإيمان والطهارة لا على المال والمظاهر، وهذا ما تحتاجه الأسر اليوم، فالعائلة التي تُبنى على الرحمة والإيمان تبقى متماسكة مهما اشتدّت الظروف. وقد عاش الإمام عليّ والسيّدة فاطمة (عليهما السلام) حياة بسيطة، بعيدة عن الترف، فكان الإمام (عليه السلام) يعمل بيده لتأمين قوته، وكانت السيّدة فاطمة (عليها السلام) تقوم بأعمال البيت وتربية الأبناء، ومع ذلك لم يكن التعب سبباً للخلاف، بل كانا يتعاملان بروح التعاون والمحبّة، وعن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قسّم الأعمال بينهما، فجعل ما داخل البيت على السيّدة فاطمة، وما خارجه على الإمام عليّ، فقالت الزهراء (عليها السلام): «فلا يَعلَمُ ما داخَلَني مِنَ السُّرورِ إلَّا اللَّهُ بِإِكفائي رَسولُ اللَّهِ تَحُمُّلَ رِقابِ الرِّجالِ» (قرب الإسناد، ص52).
وتكشف هذه الرواية أهمّيّة تنظيم المسؤوليّات داخل الأسرة، فالحياة الزوجيّة لا تقوم على تحميل طرف واحد كلّ الأعباء، بل على التعاون والتفاهم، خصوصاً في الظروف الصعبة التي تزداد فيها الضغوط النفسيّة والمعيشيّة.
كما تميز هذا البيت بالزهد والصبر والقناعة. فقد رأى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) السيّدة فاطمة (عليها السلام) تطحن بيديها وترضع ولدها وعليها كساء خشن، فدمعت عيناه، وقال: «يا بُنَيَّةُ، تَعَجَّلي مَرارَةَ الدُّنيا بِحَلاوَةِ الآخِرَةِ»، فأجابته: «الحَمدُ للَّهِ عَلى نَعمائِهِ، والشُّكرُ للَّهِ عَلى آلائِهِ» (المناقب، ج3، ص588)..
وتعلمنا هذه الرواية أنّ صعوبة الحياة لا تعني غياب السعادة أو الكرامة، فالإنسان المؤمن يستطيع أن يحوّل الألم إلى صبر، وأن يجعل من بيته مكاناً للرضا والطمأنينة برغم قلّة الإمكانات.
وقد كانت العلاقة بين الإمام عليّ والسيّدة فاطمة (عليهما السلام) قائمة على المودّة والدعم النفسيّ، حتّى قال الإمام عليّ (عليه السلام): «فَوَاللَّهِ ما أغضَبتُها ولا أكرَهتُها على أمرٍ حتّى قَبَضَها اللَّهُ إليه، ولا أغضَبَتني ولا عَصَت لي أمراً، ولقد كنتُ أنظُرُ إليها فَتَنكَشِفُ عنّي الهُمومُ والأحزانُ» (كشف الغمة، ج1، ص373). فهذه الكلمات تقدّم درساً عظيماً لكلّ الأزواج، فالحياة الزوجيّة الناجحة لا تُبنى على القسوة وكثرة الخلافات، بل على الاحترام والكلمة الطيّبة والاحتواء النفسيّ.
وبرغم ما واجهه الإمام عليّ والسيّدة فاطمة (عليهما السلام) من صعوبات ومحن، بقي بيتهما نموذجاً خالداً للأسرة المؤمنة التي تقوم على الصبر والتعاون والرحمة، ليعلّما الناس أنّ السكينة الحقيقية لا تأتي من كثرة المال أو رفاهية الحياة، بل من وجود الإيمان والمحبّة والاحترام المتبادل داخل البيت.


