على عهدِنا باقون، ولخطِّ الإمام القائدِ الشهيدِ مستمرّون.
التعميمُ الثقافيُّ اليوميُّ في أيّامِ الجهادِ في سبيلِ الله، زادٌ لتقويةِ النفوسِ، وشدٍّ للعزائمِ، وترسيخ للثباتِ في الميدان.
الخطاب الثقافي (رقم 46)
من هجرة الديار إلى ثباتِ الإيمان
أيّها الأحبّة، يا أيّها الذين هُجِّرتم من بيوتكم ودياركم، وأُخرجتم من مواطنكم قسراً وعدواناً، إنّ ما تعيشونه اليوم ليس أمراً غريباً في مسيرة المؤمنين، بل هو سنّة جارية في تاريخ الدعوات الإلهيّة. فقد تعرّض المؤمنون منذ صدر الإسلام للاضطهاد والتضييق، حتّى اضطرّوا إلى ترك أوطانهم حفاظاً على دينهم وكرامتهم.
وهنا ينبغي أن نلتفت إلى معنى الهجرة في ميزان الله، لا في ميزان الناس؛ فالهجرة قد تكون موقعاً من مواقع القرب إلى الله، وسبباً في رفع الدرجات، يقول الله تعالى: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللّهِ﴾ (سورة النساء، الآية 100)، فالله سبحانه جعل للمهاجر أجراً عظيماً، بل تكفّل به بنفسه، وهذا يدلّ على عِظَم هذا الأمر.
أيّها الأعزّة، لقد هاجر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من مكّة، وهي أحبّ البلاد إليه، بعدما اشتدّ عليه الأذى، ولم تكن هجرته ضعفاً، بل كانت انتقالاً إلى مرحلةٍ جديدة، بُني فيها المجتمع الإسلاميّ، وانطلقت منها الدعوة بقوّة. وهذا يعلّمنا أنّ الهجرة قد تكون بداية لا نهاية، وقد تكون فتحاً لا خسارة. فليس المهمّ أن يفقد الإنسان مكانه، بل المهمّ أن يحفظ دينه وثباته، وقد ورد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «لَمَقامُ أحدكم في الدنيا، يتكلّم بحقٍّ يردّ به باطلاً، أو ينصر به حقّاً، أفضل من هجرةٍ معي» (المتّقي الهنديّ، كنز العمّال، ج7، ص802)؛ وهذا يدلّ على أنّ القيمة ليست في مجرّد الانتقال، بل في الموقف؛ في الثبات على الحقّ، وفي نصرة المظلوم.
أيّها الأحبّة، إنّ الهجرة نوعان: هجرة بالجسد، وهجرة بالقلب والعمل. أمّا الأولى، فهي ما تعيشونه اليوم من تركٍ للديار، وأمّا الثانية، فهي أن يهاجر الإنسان من الذنوب إلى الطاعة، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن الضعف إلى الثبات، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «الهجرة هجرتان: إحداهما أن تهجر السيّئات، والأخرى أن تهاجر إلى الله ورسوله» (المتّقي الهنديّ، كنز العمّال، ج16، ص657). فحتّى في حال النزوح، يمكن للإنسان أن يكون في مقام الهجرة الحقيقيّة، إذا حافظ على دينه، وترك المعصية، وثبت على الطاعة. بل إنّ بعض الناس قد يخرج من بلده، ولا يكون مهاجراً في الحقيقة، إذا لم يُغيّر من نفسه، وقد يبقى آخر في مكانه، ويكون مهاجراً إلى الله، إذا أصلح حاله وترك ما يُغضب الله.
أيّها الصابرون، إنّ ما تمرّون به من فقدٍ للبيوت، ومن مشقّة النزوح، هو امتحان، ولكنّه أيضاً فرصة؛ فرصة للعودة إلى الله، وتقوية الصلة به، وتثبيت القيم في النفوس. ولا تظنّوا أنّ هذه المعاناة تذهب سُدىً، فإنّ الله لا يضيع أجر الصابرين، وكلّ ما تتحمّلونه في سبيل الثبات والكرامة، هو محفوظ عند الله.
اثبتوا على الحقّ، واحفظوا صلاتكم، وكونوا كما أراد الله لكم: أهل صبرٍ وتوكّل. ولا تجعلوا الهجرة سبباً في الانكسار، بل اجعلوها منطلقاً للتغيير نحو الأفضل. وتذكّروا دائماً أنّ الهجرة الحقيقيّة هي إلى الله، وأنّ مَن خرج من أجل دينه، لم يخسر، بل ربح أعظم الربح.


