يتم التحميل...

الخطاب الثقافي (رقم 44)

استقرار الأسرةُ في زمنِ الشدائد

عدد الزوار: 20

على عهدِنا باقون، ولخطِّ الإمام القائدِ الشهيدِ مستمرّون.

التعميمُ الثقافيُّ اليوميُّ في أيّامِ الجهادِ في سبيلِ الله، زادٌ لتقويةِ النفوسِ، وشدٍّ للعزائمِ، وترسيخ للثباتِ في الميدان.

الخطاب الثقافي (رقم 44)

استقرار الأسرةُ في زمنِ الشدائد


أيّها النازحون والصامدون، إنّ من أشدّ ما يمكن أن يُبتلى به الإنسان في هذه الحياة، ليس فقط فقد المال أو المسكن، بل اضطراب الحياة الأسريّة تحت ضغط الشدائد. فالحرب لا تصيب الأرض فقط، بل تمتدّ آثارها إلى النفوس والعلاقات والبيوت، وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ (سورة البلد، الآية 4)، أي في تعبٍ ومشقّة، وهذا يشمل كلّ مجالات الحياة، ومنها الحياة الأسريّة. فالأصل أنّ الحياة ليست خالية من الأزمات، ولكنّ المهمّ هو كيفيّة التعامل معها.

أيّها الأعزّة، إنّ الأسرة في زمن النزوح تكون أكثر عرضةً للتوتّر والخلاف؛ وذلك بسبب الضغوط النفسيّة، وضيق المكان، وفقدان الاستقرار. وهنا تظهر الحاجة إلى الصبر، لا كخيارٍ ثانويّ، بل كضرورةٍ أساسيّة، يقول الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (سور البقرة، الآية 155)، والصبر هنا لا يعني السكوت عن الخطأ، بل يعني تحمّل الظروف، وضبط النفس، وعدم الانهيار عند أوّل مشكلة. وقد ورد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في صبر الزوج: «مَن صبر على سوء خلق امرأته، أعطاه الله من الأجر ما أعطى أيوب (عليه السلام) على بلائه» (الشيخ الطبرسيّ، مكارم الأخلاق، ص214)، وكذلك في صبر الزوجة: «مَن صبرت على سوء خلق زوجها، أعطاها الله مثل ثواب آسية بنت مزاحم» (الشيخ الطبرسيّ، مكارم الأخلاق، ص214)، وهذا يدلّ على أنّ الصبر داخل الأسرة له قيمة عظيمة وخصوصيّة بالغة عند الله تعالى.

أيّها الأحبّة، إنّ التسامح في هذه الظروف ليس ضعفاً، بل قوّة؛ فالإنسان إذا دقّق في التفاصيل، ووقف عند كلّ خطأ، فلن تستقيم الحياة، وقد قال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ (سورة النور، الآية 22)، فالعفو والصفح من أهمّ ما يحفظ استقرار الأسرة، وكذلك أمر الله تعالى بحسن المعاشرة، فقال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (سورة النساء، الآية 19)، والمعروف في زمن الحرب يختلف عن غيره، فهو يحتاج إلى مزيدٍ من الرحمة، والتفهّم، ومراعاة الظروف...

أيّها الصابرون، إنّ من الأخطاء الكبيرة في هذه المرحلة، أن تتحوّل الضغوط الخارجيّة إلى خلافات داخليّة، فيُهدَم البيت من الداخل، بعد أن تضرّر من الخارج. وهذا ما ينبغي الحذر منه؛ فالأسرة هي أهمّ حصنٍ للإنسان، فإذا انهارت، خسر الإنسان توازنه. لذلك، أكّد الإسلام ضرورة حفظها، ونهى عن الإضرار بها، وجعل الطلاق آخر الحلول، وليس أوّلها، وقد ورد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «ما من شيءٍ أحبُّ إلى الله عزّ وجلّ من بيتٍ يعمُر في الإسلام بالنكاح، وما من شيءٍ أبغضُ إلى الله عزّ وجلّ من بيتٍ يخرب في الإسلام بالفرقة» (الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج5، ص328). فهذا يدلّ على عظمة هذا البناء، وخطورة هدمه.

أيّها الأحبّة، في زمن الحرب، يجب أن نكون أكثر وعياً، وأكثر صبراً، وأكثر رحمةً داخل بيوتنا، وأن يتحمّل بعضنا بعضاً، وأن لا نجعل الظروف سبباً في تفكّكنا؛ فاصبروا، وتسامحوا، وتراحموا، فإنّ هذه المرحلة ستمرّ، ويبقى ما بنيتموه من مواقف.

2026-04-18