على عهدِنا باقون، ولخطِّ الإمام القائدِ الشهيدِ مستمرّون.
التعميمُ الثقافيُّ اليوميُّ في أيّامِ الجهادِ في سبيلِ الله، زادٌ لتقويةِ النفوسِ، وشدٍّ للعزائمِ، وترسيخ للثباتِ في الميدان.
الخطاب الثقافي (رقم 42)
الشهادة قمّة العطاء وطريق النصر
أيّها النازحون والصامدون، إنّ من الحقائق التي ينبغي أن تكون واضحة في هذه المرحلة، أنّ النصر في ميزان الله لا يُقاس دائماً بالنتائج الظاهرة، بل بما يقدّمه الإنسان في سبيله من صدقٍ وتضحية وثبات. ومن هنا، فإنّ الشهادة ليست خسارة، بل هي قمّة العطاء، وذروة النصر الحقيقيّ.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (سورة التوبة، الآية 111)، فهذه معاملة إلهيّة واضحة: النفس تُبذل، والجنّة تُعطى وتُمنَح. وهذا البيع لا خسران فيه، بل هو «الفوز العظيم» كما عبّر القرآن الكريم.
أيّها الأعزّة، إنّ التضحية بالنفس في سبيل الله هي أعلى مراتب البرّ، وقد ورد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «فوق كلّ ذي برّ برّ، حتّى يُقتل الرجل في سبيل الله، فإذا قُتل في سبيل الله، فليس فوقه برّ» (الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص348). وهذا يدلّ على عظمة هذا المقام، وأنّه ليس مقاماً عاديّاً، بل هو ذروة ما يمكن أن يبلغه الإنسان في طاعة ربّه.
وليس الشهيد فقط مَن يرتقي في ساحة القتال، بل إنّ مَن يدافع عن نفسه وماله وأهله في وجه الظلم، ويُقتل في ذلك، له هذا المقام أيضاً، كما ورد عن الإمام الرضا (عليه السلام): «مَن قاتل دون ماله ورحله ونفسه، فهو شهيد» (ابن شعبة الحرّانيّ، تحف العقول، ص420).
وهذا يوسّع دائرة هذا المفهوم، ويجعل الدفاع عن الكرامة والحقوق من أعظم القربات.
أيّها الأحبّة، إنّ هذه الدماء التي تُسفك في سبيل الله، ليست هدراً، بل هي التي تصنع العزّة، وتحفظ الكرامة، وتؤسّس للنصر. فكم من دمٍ طاهرٍ غيّر مجرى التاريخ، وكم من تضحيةٍ أعادت للأمّة حياتها. ومن أوضح النماذج على ذلك، ما جرى في كربلاء، حيث وقف الإمام الحسين (عليه السلام) في وجه الظلم، وهو يعلم أنّه سيُقتل، ولكنّه كان يعلم أنّ هذه الشهادة هي التي ستحفظ الدين. فالنصر هناك لم يكن عسكريّاً، بل كان نصراً في الوعي والحقّ، وما زالت آثاره حيّة إلى اليوم؛ فالاستشهاد في سبيل الله قد يكون هو الطريق الحقيقيّ للنصر، حين تُسدّ الطرق الأخرى، وحين لا يبقى إلّا أن يُقدّم الإنسان نفسه لله، ليُحيي بذلك دينه وأمّته.
أيّها الصامدون، إنّ لشهدائكم الذين ارتقَوا في هذه المواجهات، مقاماً عظيماً عند الله، وإنّ دماءهم لم تذهب سُدىً، بل تركوا أثراً، وفتحوا طريقاً، وثبّتوا معنىً. وواجبنا أن نتابع هذا الطريق الذي ساروا فيه: طريق الصبر، والثبات، والإخلاص.
إنّ الشهادة تُعلّمنا أنّ الحياة الحقيقيّة ليست بطولها، بل بما يُقدَّم فيها، وأنّ الإنسان قد يعيش سنين طويلة بلا أثر، وقد يختصر عمره بلحظة صدقٍ تغيّر كلّ شيء.
في هذا الزمن، ينبغي علينا أن نثبت، وأن نحفظ هذه المعاني في قلوبنا، وأن لا ننظر إلى الأحداث بميزان الدنيا فقط، بل بميزان الآخرة أيضاً؛ فمَن قدّم نفسه لله، فقد فاز، ومن ثبت على الحقّ، فقد انتصر.
نسأل الله أن يرحم شهداءنا، وأن يمنَّ على جرحانا بالشفاء العاجل، وأن يثبّتنا على طريق الحقّ، وأن يجعل هذه التضحيات سبباً في عزّة هذه الأمّة وكرامتها.


