يتم التحميل...

الخطاب الثقافي (رقم 40)

حين يكون اللينُ قوّة

عدد الزوار: 7

على عهدِنا باقون، ولخطِّ الإمام القائدِ الشهيدِ مستمرّون.

التعميمُ الثقافيُّ اليوميُّ في أيّامِ الجهادِ في سبيلِ الله، زادٌ لتقويةِ النفوسِ، وشدٍّ للعزائمِ، وترسيخ للثباتِ في الميدان.

الخطاب الثقافي (رقم 40)

حين يكون اللينُ قوّة


﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (سورة آل عمران، الآية 159).

أيّها النازحون الصابرون، أيّها الصامدون في أرض المواجهة، يا مَن تحملون الألم ولا تنكسرون، وتواجهون المِحَن بقلوبٍ عامرةٍ بالإيمان… إنّ المعركة ليست فقط على الأرض، بل هي أيضاً في داخل الإنسان؛ في أخلاقه، في كلمته، في طريقة تعامله مع مَن حوله.

في زمن الحرب، تشتدّ الأعصاب، وتضيق الصدور، وتكثر الضغوط، لكنّ القِيَم التي نحملها هي التي تحدّد هُويّتنا، وهي التي تصنع الفرق بين مجتمعٍ يتماسك برغم الجراح، وآخر يتفكّك عند أوّل اختبار. ومن هنا، يبرز «لينُ الجانب» كضرورةٍ تحفظ المجتمع، وتُبقي الروابط حيّةً برغم كلّ ما يُراد لها من تمزيق.

لين الجانب، كما يقدّمه الإسلام، ليس ضعفاً ولا تراجعاً، بل هو قوّةٌ من نوعٍ آخر؛ قوّة ضبط النفس، وقوّة التحكّم بالغضب، وقوّة الارتقاء فوق ردود الفعل الغريزيّة، يقول تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (سورة البقرة، الآية 83)، ويقول أيضاً: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (سورة طه، الآية 44)، فإذا كان اللين مطلوباً في مواجهة الطغاة، فهو مع أهلنا وأحبابنا أوجب، ومع شركائنا في الألم أعمق وأصدق.

أيّها الأحبّة، إنّ الكلمة في زمن الشدّة قد تكون جرحاً أو بلسماً، قد تُشعل خلافاً أو تُطفئ ناراً، وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «يا أبا ذرّ، الكلمة الطيّبة صدقة» (الشيخ الطبرسيّ، مكارم الأخلاق، ص467)، ويقول (صلّى الله عليه وآله) أيضاً: «إنّ الرفق لم يُوضَع على شيء إلّا زانه، ولا نُزع من شيء إلّا شانه» (الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص119)؛ فاجعلوا ألسنتكم جسوراً لا متاريس، وكونوا ممَّن يُداوون بالكلمة لا ممَّن يُضاعفون الألم.

وليس اللينُ في القول وحده، بل هو في الفعل والسلوك؛ أن نكون متفهّمين لبعضنا، متسامحين مع أخطائنا، قادرين على تجاوز الزلّات، لا نقابل القسوة بالقسوة، ولا الإساءة بمثلها، فقد أوصى أمير المؤمنين (عليه السلام) عمّاله أن يلقَوا الناس «ببسط الوجه ولين الجانب» (النعمان المغربيّ، دعائم الإسلام، ج1، ص252)، وأن يلتزموا التواضع؛ لأنّ الله يرفع المتواضعين ويضع المتكبّرين.

في ظروف النزوح، حيث تضيق المساحات وتتداخل الخصوصيّات، يصبح الحِلم ضرورة، والتغافل عبادة، والصبر سلاحاً لا يقلّ أهمّيّة عن أيّ سلاحٍ آخر. إنّ المجتمع الذي يحفظ أخلاقه في المحنة، مجتمعٌ لا يُهزم؛ لأنّ تماسكه الداخليّ أقوى من كلّ ضغطٍ خارجيّ.

ويُروى عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «ألا أخبركم بمَن يحرم عليه النار غداً؟… الهيِّن القريب الليِّن السهل» (الشيخ الصدوق الأمالي، ص397). إنّ هذه الصفات هي عناوين لشخصيّة المؤمن الحقيقيّ، الذي يُحسن التصرّف في أصعب الظروف، ويثبت على القِيَم حين تتزلزل النفوس.

أيّها الأعزّاء، إنّ النفس تميل إلى الغضب والانفعال، خاصّةً في أوقات الألم، لكنّ الله تعالى يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ (سورة الشمس، الآية 9)، وتزكية النفس تبدأ من هنا: من كلمةٍ نكظمها، ومن غضبٍ نُسيطر عليه، ومن موقفٍ نختار فيه العفو بدل الانتقام، عن الإمام الباقر (عليه السلام): «مَن كفَّ غضبه عن الناس، كفَّ الله عنه عذاب يوم القيامة» (الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص305).

إنّنا في هذه المرحلة لا نحتاج فقط إلى الصمود في الميدان، بل إلى الصمود في الأخلاق، في العلاقات، في إنسانيّتنا، أن نبقى رحماء برغم القسوة، متماسكين برغم الألم، وأن نحفظ في ما بيننا ما يريد العدوّ أن يكسره.

2026-04-12