يتم التحميل...

الخطاب الثقافي (رقم 39)

صلّوا عليه وسلّموا تسليما

عدد الزوار: 7

على عهدِنا باقون، ولخطِّ الإمام القائدِ الشهيدِ مستمرّون.

التعميمُ الثقافيُّ اليوميُّ في أيّامِ الجهادِ في سبيلِ الله، زادٌ لتقويةِ النفوسِ، وشدٍّ للعزائمِ، وترسيخ للثباتِ في الميدان.

الخطاب الثقافي (رقم 39)

صلّوا عليه وسلّموا تسليما


أيّها النازحون الصابرون، أيّها الثابتون في أرضهم، أيّها المجاهدون على خطوط النار، يا مَن كتبتم بدموعكم وصبركم معنى الكرامة… السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نقف اليوم في زمنٍ تختلط فيه أصوات القصف بنداءات السماء، وتضيق فيه الأرض على أهلها، ولكنّ أبواب السماء لا تضيق أبداً. ومن بين هذا الضيق، يأتينا نداء الله تعالى ليشدّ على قلوبنا، فيقول في كتابه العزيز: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (سورة الأحزاب، الآية 56).

حين تشتدّ المحن، لا يكون النجاة بكثرة الحيلة، بل بصدق التوجّه والتعلّق بالله، وهنا يفتح الله لنا باباً عظيماً من أبواب الرحمة: الصلاة على النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، إنّها ارتباطٌ بنور السماء، وانخراطٌ في قافلةٍ تسير من الله إلى ملائكته إلى عباده الصالحين.

لقد بيّن لنا أهل البيت (عليهم السلام) معنى هذه الصلاة، فعن الإمام الكاظم (عليه السلام): «صلاة الله رحمةٌ من الله، وصلاة ملائكته تزكيةٌ منهم له، وصلاة المؤمنين دعاءٌ منهم له» (الشيخ الصدوق، ثواب الأعمال، ص156). فحين نصلّي على النبيّ، نحن في الحقيقة نستجلب رحمة الله، ونفتح لأنفسنا أبواب القَبول.

وفي زمن الحرب، نحن أحوج ما نكون إلى هذه الرحمة… أحوج ما نكون إلى نورٍ يبدّد ظلمات الخوف، ويثبّت الأقدام، ألم يقل رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «أكثِروا الصلاة عليّ، فإنّ الصلاة عليّ نورٌ في القبر، ونورٌ على الصراط، ونورٌ في الجنّة»؟ (الراونديّ، الدعوات (سلوة الحزين)، ص216).

أيّها الصابرون… قد تُحاصَرون في الأرض، ولكنّ الدعاء لا يُحاصَر، والصلاة على النبيّ لا تُمنَع، بل هي من أعظم ما يرفع البلاء، ويُقرّب الإجابة، كما عن الإمام الصادق (عليه السلام): «كلّ دعاءٍ محجوبٌ عن السماء، حتّى يصلّي على محمّد وآل محمّد» (الشيخ الصدوق، المقنع، ص297).

اجعلوا ألسنتكم رطبةً بذكره، واجعلوا بيوت النزوح محاريب صلاة، لا يُطفِئها خوف، ولا يُسكتها قهر. ارفعوا أصواتكم بالصلاة عليه، فإنّها -كما قال النبيّ (صلّى الله عليه وآله)- «تُذهِب بالنفاق» (الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص493)، وتطهّر القلوب، وتعيد إليها صفاءها في زمن التلوّث بالخوف والقلق.
ثمّ إنّ قوله تعالى: ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيم﴾، ليس فقط سلاماً باللسان، بل هو تسليمٌ بالقلب… تسليمٌ لأمر الله، وثقةٌ بأنّ ما يجري، برغم قسوته، لا يخرج عن حكمة الله وتدبيره، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾ (سورة النساء، الآية 65).

أيّها الأعزّة، إنّ المعركة ليست فقط بالسلاح، بل هي معركة ثباتٍ روحيّ، ومعركة يقين. ومن أعظم ما يثبّت القلوب في هذه الساعات، أن ترتبطوا برسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فإنّه شفيع هذه الأمّة، وهو القائل: «أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليّ صلاةً في دار الدنيا» (العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج91، ص63).

أكثروا من الصلاة عليه في ليلكم ونهاركم، في بيوت النزوح، وفي مواقع الصمود، في لحظات الخوف، وفي لحظات الرجاء. اجعلوها سلاحاً لا ينفد، ونوراً لا يخبو، وعهداً لا ينقطع. واعلموا أنّ الله لا يضيّع صبركم، ولا ينسى دموعكم، وأنّ هذه المحن، مهما اشتدّت، فإنّ وراءها نصراً ووعداً صادقاً. فاثبتوا… واصبروا… وصلّوا عليه وسلّموا تسليماً.

2026-04-12