على عهدِنا باقون، ولخطِّ الإمام القائدِ الشهيدِ مستمرّون.
التعميمُ الثقافيُّ اليوميُّ في أيّامِ الجهادِ في سبيلِ الله، زادٌ لتقويةِ النفوسِ، وشدٍّ للعزائمِ، وترسيخ للثباتِ في الميدان.
الخطاب الثقافي (رقم 34)
التضحية طريق الانتصار
أيّها المجاهدون والصامدون في ميادين المعركة، أيّها النازحون، إنّ الله سبحانه وتعالى يختبر قلوبنا وأرواحنا، ويعلّمنا أنّ التضحية هي سبيل النصر ورفعة الإيمان.
لقد شهدنا في حياة الأنبياء (عليهم السلام) أعظم الدروس في التضحية والصبر، ومنها حين امتثل إبراهيم الخليل (عليه السلام) لأمر الله بذبح ولده، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (سورة الصافّات، الآية 102).
فاستجاب إبراهيم (عليه السلام) لأمر الله فوراً، مؤدّياً تكليفه، ولبّى ولده إسماعيل (عليه السلام)، ولم يعترض، وعلّمانا أنّ التضحية ليست خياراً، بل هي إيمان وطاعة لله تعالى، مهما عظمت التحدّيات.
وإنّ التضحية في سبيل الله تتجلّى بأشكال متعدّدة: التضحية بالمال لدعم الجهاد ونصرة الدين، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (سورة البقرة، الآيتان 261 – 262).
والتضحية بالنفس، فليس أعظم من أن يُقدّم الإنسان روحه ويجود بنفسه في سبيل الله، يقول سبحانه: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (سورة التوبة، الآية 111).
وكذلك التضحية بالأهل والأحبّة، كما فعل الأنبياء (عليهم السلام)، فقد هاجر إبراهيم (عليه السلام) بإسماعيل وأمّه هاجر، وكذلك هاجر النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله) بأهله وصحبه طاعةً لله، ودفاعاً عن دينه. وقد بشّر الله تعالى المهاجرين والمجاهدين في سبيله، بل والذين آوَوا ونصروا، بأنّهم هم المؤمنون حقّاً، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آَوَوا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (سورة الأنفال، الآية 74).
ولا ننسى تضحيات الأئمّة، وعلى رأسهم الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء، الذي قدّم أهله وعياله وأصحابه شهداء، ليعلّمنا أن الصمود في وجه الظلم يتطلّب ثباتاً، وشجاعة، وتضحيات جساماً.
أيّها الأبطال، تذكّروا أنّ ما تقومون به اليوم في ميادين الحرب، دفاعاً عن الأرض والدين والحقّ، هو امتداد لهذا النهج المبارك. وكل عمل تضحية -مال، نفس، أو جهد- هو جزء من صمودكم، ومن أسباب نصركم، كما وعد الله المؤمنين: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (سورة الحجّ، الآية 40).
ثابروا، اثبتوا، ولا تيأسوا، فكلّ تضحية، صَغُرَت أو عَظُمَت، هي مفتاح الانتصار وسبيل الله في أرضه.


