على عهدِنا باقون، ولخطِّ الإمام القائدِ الشهيدِ مستمرّون.
التعميمُ الثقافيُّ اليوميُّ في أيّامِ الجهادِ في سبيلِ الله، زادٌ لتقويةِ النفوسِ، وشدٍّ للعزائمِ، وترسيخ للثباتِ في الميدان.
الخطاب الثقافي (رقم 32)
مَن توكَّل على الله لا يُغلَب
إنّ من أهمّ المفاهيم التي تُعين على الثبات في ظروف الحرب والشدائد، مفهوم التوكّل على الله، بوصفه ركيزةً أساسيّةً في بناء الصلابة الداخليّة للمؤمن.
يقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (سورة الطلاق، الآية 3)، وقد فسّر الإمام الكاظم (عليه السلام) هذه الحقيقة بقوله: «التوكّل على الله درجات، منها أن تتوكّل على الله في أمورك كلّها، فما فعل بك كنتَ عنه راضياً، تعلم أنّه لا يألوك خيراً وفضلاً، وتعلم أنّ الحكم في ذلك له، فتوكَّل على الله بتفويض ذلك إليه، وثِقْ به فيها وفي غيرها» (الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص65)؛ فالتوكّل ليس مجرّد قول، بل حالة من الثقة العميقة التي تُنتِج استقراراً نفسيّاً وثباتاً عمليّاً.
إنّ التوكّل يعني أن يعتمد الإنسان على الله في جميع شؤونه، مع يقينٍ بأنّه المالك الحقيقيّ ومسبّب الأسباب، وهو الذي يمنح المؤمن عزّةً داخليّة، ويُبعده عن التعلّق المفرط بالمخلوقين أو الخوف منهم؛ ولهذا يقول تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَ﴾ (سورة التوبة، الآية 51)، وهو تعبير يرسّخ في النفس الطمأنينة، ويمنعها من الانهيار أمام التقلّبات.
غير أنّ التوكّل لا يعني ترك العمل أو إهمال الأسباب، بل هو الجمع بين الأخذ بالأسباب والثقة بالله، وقد لخّص النبيّ (صلّى الله عليه وآله) هذا التوازن بقوله: «اِعقل وتوكّل» (ابن أبي الحديد المعتزليّ، شرح نهج البلاغة، ج11، ص201)؛ أي خذ بالأسباب ثمّ فوِّض النتيجة إلى الله؛ ولذلك يقول تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (سورة الأنفال، الآية 60)، في إشارةٍ واضحة إلى ضرورة الاستعداد، إلى جانب التوكّل.
وفي هذا الإطار، فإنّ التوكّل الحقيقيّ يُنتج صلابةً في الموقف، لا تردّداً ولا وهناً، فقد رُوي عن الإمام الباقر (عليه السلام): «مَن توكّل على الله لا يُغلَب، ومَن اعتصم بالله لا يُهزَم» (الفتّال النيسابوريّ، روضة الواعظين، ص425)، وهو بيان يربط بين التوكّل والقوّة.
كما أنّ التوكّل يرتكز على معرفةٍ عميقة بأنّ الله تعالى عالمٌ بحاجات عباده، قادرٌ على تلبيتها، رحيمٌ بهم، وليس في فعله نقصٌ أو بخل. فإذا استقرّت هذه المعاني في القلب، تحوّل التوكّل إلى حالة ثباتٍ حقيقيّ، لا تتزعزع أمام الشدائد.
إنّ الخطر في هذه المرحلة ليس في شدّة الظروف بقدر ما هو في ضعف الثقة بالله، أو في الاعتماد على الأسباب بوصفها مستقلّة؛ أمّا إذا بقيت الأسباب في إطارها الطبيعيّ، وكان الاعتماد الحقيقيّ على الله، فإنّ الإنسان يحافظ على توازنه، مهما اشتدّت الأزمات.
في الختام، إنّ التوكّل ليس مفهوماً نظريّاً، بل هو سلوك يوميّ ينعكس على طريقة التفكير والتعامل مع الأحداث. ومَن حقّق هذا المعنى، نال القوّة والثبات، وكان مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (سورة آل عمران، الآية 159)، وقادراً على مواجهة الظروف من دون أن يفقد صلابته أو يتسلّل إليه الوهن.


