على عهدِنا باقون، ولخطِّ الإمام القائدِ الشهيدِ مستمرّون.
التعميمُ الثقافيُّ اليوميُّ في أيّامِ الجهادِ في سبيلِ الله، زادٌ لتقويةِ النفوسِ، وشدٍّ للعزائمِ، وترسيخ للثباتِ في الميدان.
الخطاب الثقافي (رقم 31)
المؤمن أصلبُ من الجبل
إنّ ما نمرّ به اليوم يمكن فهمه ضمن سنّة إلهيّة ثابتة، هي سنّة الابتلاء، يقول تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (سورة العنكبوت، الآيتان 2 – 3)؛ فالامتحان ليس حالة استثنائيّة، بل هو جزء من مسار الإيمان، تُختبَر فيه حقيقة الثبات وعمق الانتماء.
والابتلاء في المنظور الإسلاميّ وسيلةُ تربيةٍ وصقل، يُخرِج ما في الإنسان من قوّةٍ أو ضعف، وقد عبّر القرآن عن شموليّة هذا الامتحان بقوله: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (سورة الأنبياء، الآية 35)؛ أي إنّ الإنسان يُختبَر في الشدّة كما يُختبَر في الرخاء، وفي الخوف كما في الطمأنينة.
وفي ظروف الحرب، حيث تتكثّف الضغوط وتتعدّد صور الألم، يصبح الامتحان أكثر شدّة؛ لأنّه يتعلّق بثبات القلب قبل أيّ شيءٍ آخر. وهنا تبرز خطورة الوهن والتراجع الداخليّ، بوصفهما خطراً على أصل الموقف الإيمانيّ، وقد أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى طبيعة هذا الامتحان بقوله: «ولَكِنَّ اللَّه يَخْتَبِرُ عِبَادَه بِأَنْوَاعِ الشَّدَائِدِ، ويَتَعَبَّدُهُمْ بِأَنْوَاعِ الْمَجَاهِدِ، ويَبْتَلِيهِمْ بِضُرُوبِ الْمَكَارِه» (السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص294، الخطبة 192).
من هنا، فإنّ الصبر المطلوب هو صلابةٌ واعية، تحفظ للإنسان توازنه، وتمنعه من الانكسار، و ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (سورة البقرة، الآية 153)، وهذه المعيّة تعني حضور العون الإلهيّ لمَن ثبت ولم يهِن أو يضعف.
لهذا، كان التأكيد في النصوص على قوّة المؤمن وصلابته، فعن الإمام الباقر (عليه السلام): «المؤمن أصلب من الجبل؛ الجبل يُستقَلُّ منه، والمؤمن لا يُستقَلُّ من دينه شيء» (الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص241)؛ وهذه الصلابة تعني أن لا يسمح الإنسان للظروف -مهما اشتدّت- أن تنال من إيمانه أو تدفعه إلى التراجع أو التنازل.
وإنّ الثبات في مثل هذه الظروف يرتبط بعوامل أساسيّة، منها:
1. تنمية اليقين، كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (سورة الأنعام، الآية 75)، وقد سُئل الإمام الرضا (عليه السلام) عن إبراهيم الخليل (عليه السلام): أكان في قلبه شكّ؟ قال (عليه السلام): «لا، كان على يقين، ولكنّه أراد من الله الزيادة في يقينه» (البرقيّ، المحاسن، ج1، ص247).
2. إخلاص النيّة، فإنّ مَن يفقد سلامة القلب وصلاح النيّة وخلوصها لخالقه عزّ وجلّ، يبقى الخطر محدقاً به.
3. التأسّي بالأنبياء (عليهم السلام) وبرسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) وأولياء الله، وما تحمَّلوه وصبروا عليه، فبذلك تهون علينا البلاءات والتحدّيات، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ (سورة الأحزاب، الآية 21).
إنّ هذه المرحلة، على قسوتها، هي ميدانٌ لإثبات الصلابة. فالإنسان قد يُعذَر على الألم، لكنّه لا يُعذَر على التفريط بثوابته أو الانهيار أمام التحدّي.


