على عهدِنا باقون، ولخطِّ الإمام القائدِ الشهيدِ مستمرّون.
التعميمُ الثقافيُّ اليوميُّ في أيّامِ الجهادِ في سبيلِ الله، زادٌ لتقويةِ النفوسِ، وشدٍّ للعزائمِ، وترسيخ للثباتِ في الميدان.
الخطاب الثقافي (رقم 29)
في زحمة المعركة لا تغفل عن نفسك
أيّها الصامدون، يا مَن تكتبون بالصبر تاريخًا جديدًا، وتعيشون بين النزوح والثبات، بين الخطر واليقين… اعلموا أنّ المعركة ليست فقط على الأرض، بل في داخل النفس أيضًا. وإنّ من أخطر ما قد يُصيب الإنسان في زمن الحرب، أن ينشغل بكلّ شيء… وينسى نفسه.
لقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كما رُوي عن الإمام الحسن (عليه السلام): «لا يكون العبدُ مؤمناً، حتّى يحاسبَ نفسَه أشدّ من محاسبة الشريك شريكَه، والسيّد عبدَه» (السيّد ابن طاووس، محاسبة النفس، ص14). وهذه الكلمة اليوم، في زمن الشدّة، أشدّ حضورًا وأعظم ضرورة؛ لأنّ الضغوط تشتدّ، والاختبارات تكبر، والانحراف قد يتسلّل من حيث لا نشعر.
أيّها الأحبّة، قد تُرهقنا الحرب، وقد تسرق منّا الأيّام، وقد نُبرّر لأنفسنا التقصير بحجّة الظروف… لكنّ الله تعالى لم يُسقط عنّا مسؤوليّة أنفسنا، بل نادانا بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (سورة الحشر، الآية 18).
في النزوح أنت مسؤول، في الخوف أنت مسؤول، في التعب أنت مسؤول…
ليس المطلوب أن تكون بلا ألم، بل أن لا تفقد بوصلتك. أن تبقى تعرف أين أنت من الله، مهما اشتدّت العواصف.
أيّها الصامدون، إنّ محاسبة النفس في هذه الأيّام هي جهادٌ آخر. أن تجلس مع نفسك، ولو لدقائق، تسألها: هل قصّرتُ في صلاتي؟ هل حفظتُ لساني برغم الغضب؟ هل كنتُ رحيمًا بأهلي في النزوح، أم قسوت عليهم بسبب الضيق؟ هل ساعدتُ غيري، أم انشغلتُ بنفسي فقط؟
فإن وجدت خيرًا، احمد الله، وإن وجدت تقصيرًا، فاستغفر، ولا تُؤجّل؛ لأنّ التأجيل في زمن الفتن خطر، والغفلة في زمن المعركة قد تكون أشدّ من الهزيمة.
تذكّروا قول الإمام الصادق (عليه السلام): «يابنَ جندب، حقّ على كلّ مسلمٍ يعرفنا، أن يعرض عملَه في كلّ يوم وليلة على نفسه…» (ابن شعبة الحرّانيّ، تحف العقول، ص301)، لم يقل في وقت الرخاء فقط، بل في كلّ يوم… وفي كلّ ليلة… أي حتّى في أشدّ الظروف وأقساها.
أيّها الأحبّة، احذروا من الذنوب الصغيرة، فإنّها تتراكم كما تتراكم الهموم، حتّى تثقل القلب. واحذروا من تضييع العمر، فإنّ كلّ يومٍ يمرّ في هذه الحرب، هو إمّا رصيدٌ لكم، أو عليكم.
لقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنمّا الدنيا ثلاثة أيّام: يومٌ مضى بما فيه فليس بعائد، ويومٌ أنت فيه فحقّ عليك اغتنامه، ويومٌ لا تدري أنت من أهله، ولعلك راحلٌ فيه...» (العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج70، ص111)، ونحن اليوم نعيش يومًا قد لا يتكرّر، فهل نغتنمه أم نضيّعه؟
أيّها الصامدون، إنّ الثبات الحقيقيّ ليس فقط في وجه العدوّ، بل في وجه النفس أيضًا. أن تثبت على الصلاة، على الأخلاق، على الصدق، على الرحمة… هذا هو النصر الذي لا يُهزم؛ فلا تجعلوا الحرب تُنسيكم الله، ولا تجعلوا النزوح يُبعدكم عن أنفسكم، ولا تجعلوا الألم يُطفئ نور قلوبكم.
حاسِبوا أنفسكم؛ لأنّ مَن أصلح داخله، ثبّته الله في خارجه. ومن كان مع الله، كان الله معه… في المعركة، وفي النزوح، وفي كلّ طريق.


