على عهدِنا باقون، ولخطِّ الإمام القائدِ الشهيدِ مستمرّون.
التعميمُ الثقافيُّ اليوميُّ في أيّامِ الجهادِ في سبيلِ الله، زادٌ لتقويةِ النفوسِ، وشدٍّ للعزائمِ، وترسيخ للثباتِ في الميدان.
الخطاب الثقافي (رقم 28)
دماءٌ لا تضيع وعهدٌ لا ينكسر
يا أهل الصمود والثبات، يا مَن تكتبون بوجعكم معنى الكرامة… إنّنا اليوم نقف أمام مشهدٍ عظيم، تختلط فيه الدموع بالعزّة، والحزن بالفخر، والفقد باليقين. مشهدٌ يذكّرنا بأنّ هذه الطريق ليست طريق راحة، بل طريق تضحية، وأنّ الدم الذي يُبذل فيها ليس دمًا عابرًا، بل هو أمانةٌ تُكتب بها حياة الأمّة.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ (سورة محمّد، الآيات 4 – 6). إنّ هذه الآيات هي وعدٌ إلهيٌّ ثابت، يواسي القلوب، ويثبّت الخطى، ويمنح المعنى لكلّ تضحية.
أيّها المؤمنون، إنّ أوّل ما تُخبرنا به هذه الآيات أنّ دماء الشهداء لا تضيع؛ لا خطوةٌ خطوها، ولا جرحٌ نزف، ولا كلمةٌ صدرت منهم في سبيل الله، إلّا وهي محفوظة عنده سبحانه. بل إنّ آثارهم تمتدّ في حياتنا كلّها؛ فكلّ عزّةٍ نعيشها، وكلّ رايةٍ مرفوعة، وكلّ سجدةٍ آمنة، إنّما هي من بركات تلك التضحيات.
ثمّ تأتي البشرى الثانية: الهداية إلى مقامات الفوز؛ فالشهداء لا يُترَكون بعد رحيلهم، بل يُؤخَذون إلى مقاماتٍ أعدّها الله لهم، بعنايةٍ خاصّة، وكرامةٍ لا تُمنح إلّا لمن صدقوا في عطائهم. إنّها رحلةُ تكريم، لا رحلةُ فراق.
وأمّا البشرى الثالثة، فهي الطمأنينة، تلك السكينة التي تُغمَر بها أرواحُهم، فلا خوف ولا قلق، بل راحةٌ ورضا؛ لأنّهم وصلوا إلى الغاية التي عاشوا لها. إنّهم في أمنٍ عند ربّهم، وقد تجاوزوا كلّ ألمٍ دنيويٍّ إلى نعيمٍ لا يُقاس.
ثمّ تأتي العطيّة الكبرى: الجنّة، ولكن ليست كأيّ جنّة، بل جنّةٌ عرّفها الله لهم، يعرفونها كما يعرف أحدنا بيته، يدخلونها وهم على يقينٍ بمنازلهم فيها، وهذا من أعظم مظاهر التكريم الإلهيّ.
أيّها الأحبّة، إنّ هذه المعاني ليست فقط تسليةً للشهداء، بل هي عزاءٌ للأحياء، وقوّةٌ للمجاهدين، وثباتٌ للصامدين. عندما نفقد عزيزًا في هذا الطريق، لا نقول إنّه ذهب، بل نقول إنّه ارتقى. وعندما نودّع شهيدًا، فإنّنا لا نُغلق صفحة، بل نفتح عهدًا جديدًا.
وفي هذه اللحظات، نُعزّي ونُبارك؛ لأنّ الشهادة ليست خسارة، بل فوز كبير. نُعزّي لأنّ الفقد موجع، ونُبارك لأنّ المقام عظيم. نُعزّي أهل الصبر، ونُبارك لهم هذا الوسام الإلهيّ الذي لا يُمنح إلّا للمصطفَين.
أيّها الصامدون، إنّ هذه الدماء تُنبت عزًّا، وتُحيي أمّة، وتكتب مستقبلًا؛ فكونوا أوفياء لهذا الدم، ثابتين على هذا النهج، صادقين في هذا الطريق.
إنّ الشهداء لم يرحلوا ليُترك الطريق، بل رحلوا ليُكمل المسير من بعدهم رجال. فكونوا أنتم الامتداد، وكونوا العهد الذي لا ينكسر.
إنّ هذا الدرب بدأ بالدم، ولن ينتهي إلّا بالنصر… وعدٌ من الله، لا يتخلّف، ولا يخيب.


