على عهدِنا باقون، ولخطِّ الإمام القائدِ الشهيدِ مستمرّون.
التعميمُ الثقافيُّ اليوميُّ في أيّامِ الجهادِ في سبيلِ الله، زادٌ لتقويةِ النفوسِ، وشدٍّ للعزائمِ، وترسيخ للثباتِ في الميدان.
الخطاب الثقافي (رقم 27)
النصيحة في زمن المحنة صوتُ الرحمة
أيّها الأحبّة، يا مَن تعيشون بين لهيب المعركة ومرارة النزوح وثقل الصمود… إنّ من أعظم ما يحتاجه الإنسان في هذه الأيّام العصيبة، الكلمة الصادقة، والنصيحة المخلصة، التي تُعيد التوازن، وتثبّت القلب، وتُرشد إلى الطريق.
لقد جعل الإسلام النصيحة من أسمى القيم، بل من أفضل ما يلقى به الإنسان ربّه، فعن الإمام الصادق (عليه السلام): «عليكم بالنصح لله في خلقه، فلن تلقاه بعمل أفضل منه» (الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص164)؛ فالنصيحة عبادة، وموقف، ومسؤوليّة أمام الله.
وفي زمن الفتن، تشتدّ الحاجة إلى النصيحة أكثر من أيّ وقتٍ مضى. حين تختلط الأمور، وتضيع البوصلة، ويكثر القيل والقال، هنا يظهر دور الناصحين الصادقين، الذين لا يريدون لأنفسهم سمعة، ولا للناس إذلالًا، بل يريدون وجه الله، وصلاح المجتمع، وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «إنّ أعظم الناس منزلة عند الله يوم القيامة، أمشاهم في أرضه بالنصيحة لخلقه» (الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص208).
أيّها الإخوة، إنّ النصيحة لا تقتصر على جانبٍ دون آخر، بل تبدأ من علاقتنا مع الله ورسوله، بالالتزام والطاعة، ثمّ تمتدّ إلى المسؤولين، فننصحهم بصدقٍ وإخلاص، لا بخوفٍ أو نفاق، طلبًا للإصلاح لا للإساءة، ثمّ تشمل مجتمعنا كلّه، فنكون لبعضنا عونًا، لا عبئًا، وسندًا، لا سببًا في الانكسار.
وفي هذه الظروف، حيث النزوح يُثقل القلوب، والصمود يُرهق النفوس، نحتاج أن ننصح بعضنا بحكمةٍ ورحمة؛ لا نُشهّر، ولا نُحرج، ولا نكسر خواطر بعضنا، بل نكون كما أراد لنا أهل البيت (عليهم السلام): ناصحين سرًّا، مشفقين حبًّا، ساترين عيبًا، دافعين ظلمًا.
أيّها الأحبّة، إنّ النصيحة الصادقة تحتاج إلى شروط: أوّلها الأسلوب الحسن، فالكلمة الطيّبة تفتح القلوب، أمّا القسوة فتغلقها. وثانيها الإخلاص، فلا تكون النصيحة وسيلةً للتعالي أو التشفّي، بل طريقًا للإصلاح. وثالثها القبول، فكم من إنسانٍ ضيّع نفسه لأنّه رفض أن يسمع كلمة حقّ.
فلنكن في هذه الأيّام أهل نصيحةٍ حقيقيّة: إذا رأينا ضعفًا قوّيناه، وإذا رأينا خطأً أصلحناه، وإذا سمعنا إساءةً دفعناها. لنكن يدًا واحدة، وقلوبًا متراصّة، نُعين بعضنا على الصبر والثبات، لا نزيد الجراح جراحًا.
إنّ المعركة ليست فقط في الميدان، بل في الأخلاق أيضًا، في الكلمة، في الموقف، في النصيحة. ومَن انتصر في نفسه، وصدق مع ربّه، كان أقرب إلى النصر في واقعه.


