على عهدِنا باقون، ولخطِّ الإمام القائدِ الشهيدِ مستمرّون.
التعميمُ الثقافيُّ اليوميُّ في أيّامِ الجهادِ في سبيلِ الله، زادٌ لتقويةِ النفوسِ، وشدٍّ للعزائمِ، وترسيخ للثباتِ في الميدان.
الخطاب الثقافي (رقم 26)
على طريق الصمود… حيث تُولد السعادة الحقيقيّة
أيّها الأحبّة، يا مَن أثقلتهم المحن، ويا مَن صبروا في وجه الألم والنزوح، اعلموا أنّ ما تعيشونه اليوم ليس مجرّد معاناة، بل هو امتحانٌ عظيم تُصاغ فيه النفوس، وتُرفع به الدرجات.
إنّ كثيراً من الناس يظنّ أنّ السعادة في الراحة والاستقرار، لكنّ الحقيقة أعمق من ذلك؛ فالسعادة ليست في وفرة المادّة، ولا في زوال التعب، بل في ذاك الاطمئنان الذي يملأ القلب برغم كلّ الظروف، يقول تعالى في كتابه العزيز: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (سورة النحل، الآية 97). وهذه الحياة الطيّبة قد تكون في خيمةٍ بسيطة، أو بيتٍ مهدّم، لكنّها عامرةٌ بالإيمان، مطمئنّةٌ بذكر الله.
أيّها الصامدون، قد تظنّون أنّ ما تفقدونه اليوم هو كلّ شيء، لكنّ الله يفتح لكم أبواباً أعظم: أبواب القرب منه، وأبواب الأجر الذي لا ينقطع؛ فليس كلّ فقدٍ خسارة، بل قد يكون بداية عطاءٍ لا ينفد، يقول تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (سورة القصص، الآية 77)؛ فاجعلوا من صبركم طريقاً إلى الآخرة، ومن ثباتكم زاداً لا يزول.
إنّ في هذه الأيّام نفحاتٍ من رحمة الله، تمرّ على القلوب المكسورة لتجبرها، وعلى النفوس المتعبة لتقوّيها؛ فلا تغفلوا عنها، ولا تيأسوا، فإنّ لحظة صدقٍ مع الله قد تغيّر كلّ شيء، وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «إنّ لله في أيّام دهركم نفحات، ألا فتَعرَّضوا لها؛ فلعلّ أحدكم تصيبه نفحة، فلا يشقى بعدها» (البيهقيّ، فضائل الأوقات، ص10).
أكثروا من ذكر الله، فإنّه السند الذي لا يسقط، والملجأ الذي لا يخذل ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ (سورة طه، الآية 124). وكونوا صادقين مع أنفسكم، متماسكين في ما بينكم، فإنّ الصمود ليس فقط بالبقاء في الأرض، بل بالبقاء والثبات على المبدأ.
تذكّروا أنّ هذه المحنة عابرة، وأنّ ما عند الله خيرٌ وأبقى، وأنّ الصابرين لا يضيع أجرهم أبداً؛ فاصبروا واثبتوا، فإنّ وراء هذا الألم فجراً، ووراء هذا الصبر سعادةً لا تزول.


