يتم التحميل...

الخطاب الثقافي (رقم 25)

النظام في زمن المحنة طريق الصمود وحفظ الكرامة

عدد الزوار: 35

على عهدِنا باقون، ولخطِّ الإمام القائدِ الشهيدِ مستمرّون.

التعميمُ الثقافيُّ اليوميُّ في أيّامِ الجهادِ في سبيلِ الله، زادٌ لتقويةِ النفوسِ، وشدٍّ للعزائمِ، وترسيخ للثباتِ في الميدان.

الخطاب الثقافي (رقم 25)

النظام في زمن المحنة طريق الصمود وحفظ الكرامة


حين تمرّ الأمم بأزمنة الحرب والأزمات، لا يكون التحدّي في مواجهة العدوّ وحده، بل في القدرة على حفظ المجتمع من الفوضى والانهيار. فالمجتمع الذي يفقد نظامه في زمن المحنة يضعف من داخله، أمّا المجتمع الذي يحافظ على انضباطه وتماسكه في أشدّ الظروف، فإنّه يثبت ويصمد ويصنع طريق النصر.

لقد نظر الإسلام إلى الإنسان نظرةً عظيمة، وجعله مسؤولاً في هذه الأرض، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (سورة البقرة، الآية 30). فالإنسان في منطق الإيمان ليس كائناً يعيش بلا مسؤوليّة، بل هو خليفة الله في الأرض، يحمل أمانة إعمارها وحفظ نظامها وصيانة خيراتها.

ولهذا كان النظام من القِيَم الأساسيّة التي أكّدها الإسلام في حياة الأفراد والمجتمعات، وقد أوصى أمير المؤمنين (عليه السلام) بذلك في وصيّته المعروفة قائلاً: «أُوصِيكُمَا وجَمِيعَ وَلَدِي وأَهْلِي ومَنْ بَلَغَه كِتَابِي، بِتَقْوَى اللَّه ونَظْمِ أَمْرِكُمْ» (نهج البلاغة، ص421، الكتاب 47). فالتقوى لا تنفصل عن النظام، والإيمان الحقيقيّ يظهر في قدرة الإنسان على الالتزام والانضباط، خصوصاً حين تضيق الظروف وتشتدّ الأزمات.

إنّ زمن الحرب قد يفتح أبواب الفوضى إذا لم ينتبه الناس لمسؤوليّاتهم. فقد يستغلّ بعضهم حاجة الناس ليحتكر الطعام أو يرفع الأسعار أو يهرّب السلع طلباً للربح. وقد يظنّ آخرون أنّ مخالفة القوانين أو الاعتداء على الممتلكات العامّة أمرٌ بسيط ومُباح في زمن الأزمات. لكنّ الحقيقة أنّ مثل هذه الأفعال تُضعف المجتمع وتزيد معاناة الناس، وهي قبل ذلك مخالفة لشرع الله وقِيَمه.

إنّ الإسلام يعلّمنا أنّ حفظ النظام واحترام الحقوق من أعظم القربات إلى الله، فقد أخبر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) عن عبدٍ دخل الجنّة «بغصنٍ من شوك كان على طريق المسلمين، فأماطه عنه» (بحار الأنوار، ج72، ص49)، فكيف بمَن يحفظ مصالح الناس ويصون حقوقهم ويمنع عنهم الضرر؟ وفي المقابل، فإنّ الاعتداء على حقوق المجتمع، أو استغلال حاجات الناس في زمن الضيق، هو من أشدّ الظلم. فالاحتكار والجشع والاعتداء على المال العامّ كلّها سلوكيّات تدمّر المجتمع من الداخل، وتحوّل المحنة إلى كارثة أكبر.

إنّ قوّة المجتمعات في زمن الشدائد لا تقوم فقط على السلاح، بل تقوم أيضاً على الوعي والانضباط والمسؤوليّة. فحين يلتزم الناس بالقوانين، ويحفظون الحقوق، ويمنعون الفوضى، فإنّهم يحمون مجتمعهم ويخفّفون من الآلام. وإنّ المجتمع المؤمن هو المجتمع الذي يرى في النظام عبادة، وفي حفظ الحقوق طاعة، وفي حماية مصالح الناس جزءاً من رسالته. فكلّ التزامٍ بالقانون، وكلّ احترامٍ لحقّ الآخرين، وكلّ صبرٍ على الضيق من أجل مصلحة المجتمع، هو مساهمة في حفظ الأمّة وتقوية صمودها.

2026-04-07