يتم التحميل...

الخطاب الثقافي (رقم 24)

الوقت في زمن المحنة: ميدان الصبر والبناء

عدد الزوار: 24

على عهدِنا باقون، ولخطِّ الإمام القائدِ الشهيدِ مستمرّون.

التعميمُ الثقافيُّ اليوميُّ في أيّامِ الجهادِ في سبيلِ الله، زادٌ لتقويةِ النفوسِ، وشدٍّ للعزائمِ، وترسيخ للثباتِ في الميدان.

الخطاب الثقافي (رقم 24)

الوقت في زمن المحنة: ميدان الصبر والبناء


في أزمنة الحروب والمحن، حين تضطرب الحياة وتتعطّل كثير من الأعمال، ويجد الناس أنفسهم بين النزوح والانتظار والقلق، قد يظنّ بعضهم أنّ الوقت قد توقّف، أو أنّ الحياة خرجت عن معناها الطبيعيّ. لكنّ مدرسة الإسلام تعلّمنا أنّ كلّ لحظة من عمر الإنسان لها قيمة، وأنّ الزمن الذي نعيشه، مهما اشتدّت ظروفه، فهو فرصة ومسؤوليّة في آنٍ معاً، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنّ أوقاتك أجزاء عمرك؛ فلا تنفد لك وقتاً في غير ما ينجيك» (عيون الحكم والمواعظ، ص159). فالوقت ليس مجرّد ساعاتٍ تمضي، بل هو أجزاء العمر الذي سنُسأل عنه بين يدي الله. وكلّ لحظةٍ تمرّ من حياتنا هي فرصة، إمّا أن تقرّبنا إلى الله وترفع مقامنا، أو تضيع منّا فلا تعود أبداً.

إنّ الإنسان حين يهدر وقته في ما لا ينفع، إنّما يخسر فرصة من فرص البناء والنموّ، ويضيّع على نفسه ما يمكن أن يقرّبه من الله تعالى؛ ولذلك قال الله عزّ وجلّ: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ (سورة الكهف، الآية 110). فالعمل سبيل النجاة، أمّا الفراغ القاتل فهو الذي يقتل روح الإنسان ويُضعف عزيمته.

إنّ الظروف الصعبة التي تمرّ بها المجتمعات في زمن الحرب قد تفرض على الناس أوقاتاً من الفراغ أو التعطيل، لكنّ المؤمن لا يسمح لهذا الفراغ بأن يتحوّل إلى يأس أو ضياع، بل يحوّله إلى فرصةٍ للبناء الروحيّ والإنسانيّ. فالفراغ إذا لم يُملَأ بالخير، فقد يتحوّل إلى مدخلٍ لوسوسات الشيطان وإضعاف الإرادة؛ ولهذا كان النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) يوصي قائلاً: «اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحّتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» (بحار الأنوار، ج74، ص75). إنّها دعوة إلى أن يدرك الإنسان قيمة ما بين يديه من النِعَم، وأن يغتنم وقته في ما ينفعه في دنياه وآخرته.

وفي زمن المواجهة، يمكن للإنسان أن يجعل من وقته طاعةً وقوّةً وثباتاً. فذكر الله يثبّت القلوب ويمنحها الطمأنينة في أوقات الخوف والقلق، والعلم والتعلّم يبني الوعي ويصنع جيلاً قادراً على حمل المسؤوليّة، والعبادة تعطي الإنسان طاقة روحيّة تعينه على الصبر والثبات.

إنّ المجتمعات التي تعرف قيمة الوقت في الشدائد تتحوّل محنتها إلى فرصة للنهوض. فبدلاً من أن يكون الزمن زمن ضياع، يصبح زمناً لبناء النفوس، وتقوية الإيمان، وإعداد الإنسان ليكون أكثر قدرة على مواجهة التحدّيات.

إنّ أعمارنا أمانة، وأيّامنا رأس مالنا الحقيقيّ. فالسعيد مَن جعل وقته في طاعة الله، ومَن اغتنم أيّامه في ما ينفعه وينفع أمّته. فلنحوّل ساعاتنا في هذه الظروف الصعبة إلى ذكرٍ وعلمٍ وعملٍ نافع، حتّى يكون كلّ يومٍ نعيشه خطوةً نحو رضا الله، وقوّةً في طريق الصبر والثبات. فمَن عرف قيمة وقته، وأحسن اغتنامه، لم تهزمه الشدائد، بل جعل من كلّ لحظةٍ يعيشها طريقاً إلى النجاة والكرامة.

2026-04-07