على عهدِنا باقون، ولخطِّ الإمام القائدِ الشهيدِ مستمرّون.
التعميمُ الثقافيُّ اليوميُّ في أيّامِ الجهادِ في سبيلِ الله، زادٌ لتقويةِ النفوسِ، وشدٍّ للعزائمِ، وترسيخ للثباتِ في الميدان.
الخطاب الثقافي (رقم 23)
الدنيا ميدان الطاعة وصناعة الكرامة
إنّ من أخطر ما قد يصيب الإنسان في أزمنة الشدائد أن يسيء فهم الحياة، فيظنّ أنّها مجرّد تعبٍ وآلام وشقاء، أو أنّها مرحلةٌ ينبغي الفرار منها. لكنّ مدرسة الإسلام تعلّمنا نظرةً مختلفة؛ نظرةً تجعل من الحياة فرصةً ومسؤوليّة، وتجعل من كلّ يومٍ نعيشه ميداناً للطاعة والعمل والجهاد، وقد ورد أنّ رجلاً جاء إلى الإمام الصادق (عليه السلام) فقال: قد سئمتُ الدنيا، فأتمنّى على الله الموت، فقال له (عليه السلام): «تَمَنَّ الْحَيَاةَ لِتُطِيعَ لَا لِتَعْصِيَ؛ فَلَأَنْ تَعِيشَ فَتُطِيعَ، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَمُوتَ، فَلَا تَعْصِيَ وَلَا تُطِيعَ» (عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، ج2، ص6)؛ فالحياة في منطق الإيمان هي فرصةٌ عظيمة للتقرّب إلى الله، ومجالٌ لبناء الإنسان وخدمة الحقّ والدفاع عن القِيَم.
إنّ الدنيا في نظر الإسلام هي ميدان امتحانٍ وعمل؛ ولذلك وصفها أمير المؤمنين (عليه السلام) بكلماتٍ بليغة حين قال: «إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ صِدْقٍ لِمَنْ صَدَقَهَا، وَدَارُ عَافِيَةٍ لِمَنْ فَهِمَ عَنْهَا، وَدَارُ غِنىً لِمَنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا… وَمَتْجَرُ أَوْلِيَاءِ اللهِ، اكْتَسَبُوا فِيهَا الرَّحْمَةَ، وَرَبِحُوا فِيهَا الْجَنَّةَ» (نهج البلاغة، ص493، الحكمة 131). فالدنيا إذاً ليست غايةً بذاتها، بل هي الطريق إلى الآخرة، والميدان الذي يصنع فيه الإنسان مصيره الأبديّ.
من هنا، فإنّ المؤمن البصير لا ينظر إلى الدنيا بعين الغفلة، بل بعين الرسالة، وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «إِنَّمَا الدُّنْيَا مُنْتَهَى بَصَرِ الْأَعْمَى… وَالْبَصِيرُ يَنْفُذُهَا بَصَرُهُ، وَيَعْلَمُ أَنَّ الدَّارَ وَرَاءَهَا» (نهج البلاغة، ص192، الخطبة 133). فالأعمى هو الذي يقف بصره عند حدود الدنيا، أمّا البصير فهو الذي يتزوّد منها للدار الباقية.
إنّ زمن المواجهة والحرب يذكّرنا أكثر من أيّ وقتٍ آخر بهذه الحقيقة؛ فالأعمار ليست مجرّد سنواتٍ تمضي، بل هي فرصٌ للطاعة والثبات والعمل في سبيل الله. ولذلك، فإنّ المؤمن لا يتمنّى الموت هروباً من المسؤوليّة، بل يعيش حياته بقلبٍ ثابتٍ وعزمٍ صادق؛ لأنّه يعلم أنّ كلّ لحظةٍ يمكن أن تكون خطوةً نحو رضوان الله.
إنّ بقاء الإنسان في هذه الدنيا يعني أنّ أمامه فرصةً ليجتهد في طاعة الله، ويخدم دينه وأمّته، ويثبت في مواقع الحقّ، عن الإمام الصادق (عليه السلام): «فَأَعْطُوا اللَّهَ مِنْ أَنْفُسِكُمُ الِاجْتِهَادَ فِي طَاعَتِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُدْرَكُ شَيْءٌ مِنَ الْخَيْرِ عِنْدَهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ وَاجْتِنَابِ مَحَارِمِه» (الكافي، ج8، ص7)، ويعلّمنا الإمام زين العابدين (عليه السلام) أن ندعو الله قائلين: «وَعَمِّرْنِي مَا كَانَ عُمْرِي بِذْلَةً فِي طَاعَتِكَ» (الصحيفة السجّاديّة، ص94). فالحياة قيمةٌ عظيمة ما دامت في طاعة الله، وما دام الإنسان يغتنمها في طريق الحقّ والكرامة.
إنّ المؤمن في زمن الحرب يعيش الحياة رسالةً؛ كلّ موقفٍ فيها طاعة، وكلّ ثباتٍ فيها عبادة، وكلّ تضحيةٍ فيها طريقٌ إلى رضوان الله. وهكذا تتحوّل الدنيا إلى ميدانٍ لصناعة الرجال، وإلى مدرسةٍ يتخرّج فيها الصابرون والمجاهدون. فليكن شعارنا أن نحيا لله، وأن نجعل أعمارنا طاعةً وجهاداً وثباتاً؛ لأنّ العمر إذا امتلأ بطاعة الله كان طريقاً إلى الكرامة في الدنيا والفوز في الآخرة. فالسعيد من جعل حياته سلّماً إلى رضوان الله، واغتنم أيّامه في خدمة الحقّ، حتّى يلقى ربّه وقد ربح التجارة التي لا تبور.


