على عهدِنا باقون، ولخطِّ الإمام القائدِ الشهيدِ مستمرّون.
التعميمُ الثقافيُّ اليوميُّ في أيّامِ الجهادِ في سبيلِ الله، زادٌ لتقويةِ النفوسِ، وشدٍّ للعزائمِ، وترسيخ للثباتِ في الميدان.
الخطاب الثقافي (رقم 22)
تشخيص التكليف في زمن المواجهة
إنّ زمن المعركة هو زمن البصيرة والوعي والانضباط؛ فحين تواجه الأمّة تحدّيات مصيريّة، يصبح السؤال الأهمّ: كيف نشخّص تكليفنا؟ وكيف نعرف الطريق الذي ينبغي أن نسلكه لنحفظ ديننا وأرضنا وكرامتنا؟
لقد أرشدنا القرآن الكريم إلى قاعدة أساسيّة في هذا المجال، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (سورة النساء، الآية 59). وهذه الآية ترسم للمؤمنين منهجاً واضحاً؛ فكما أنّ طاعة الله ورسوله أساس الهداية، فإنّ الرجوع إلى أولي الأمر هو الطريق إلى وحدة الموقف وسلامة القرار، خصوصاً في القضايا الكبرى المتعلّقة بمصير الأمّة ومستقبلها.
إنّ كثيراً من المسائل الفرديّة يمكن للمرء تشخيصها بنفسه بعد معرفة حكمها الشرعيّ، لكنّ القضايا المصيريّة التي تتعلّق بالأمّة والمجتمع تحتاج إلى من يمتلك العلم والخبرة والبصيرة، وإلى قيادةٍ قادرةٍ على قراءة الواقع وتشخيص المصلحة. ومن هنا كانت ضرورة الرجوع إلى الأعلم والأقدر في إدارة شؤون الأمّة.
وقد علّمتنا سيرة أهل البيت (عليهم السلام) هذا المعنى بوضوح، فالإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) اتّخذ قرار الصلح مع معاوية بعد قراءة دقيقة للواقع، ومعرفةٍ بأنّ الظروف لا تسمح بالمواجهة العسكريّة آنذاك. وقد اعترض عليه بعض الناس؛ إذ لم يكونوا يحيطون بما أحاط به (عليه السلام) من درايةٍ بواقع الأمّة وخطورة المرحلة. وفي المقابل، اتّخذ الإمام الحسين (عليه السلام) موقف المواجهة والثورة، برغم اختلال موازين القوّة عسكريّاً. فقد رأى (عليه السلام) أنّ في السكوت آنذاك ضياع الرسالة وانهيار القيم، فكانت المواجهة لحفظ الدين وإحياء الوعي. وهنا يتجلّى الفرق بين النظرة السطحيّة التي تقيس الأمور بظاهر القوّة والضعف، وبين النظرة العميقة التي ترى مصلحة الرسالة والأمّة في المدى البعيد.
ومن أجمل الشواهد على روح التسليم الواعي للقيادة ما قاله عليّ الأكبر لأبيه (عليهما السلام): «يا أبَه، لا أراك الله سوءاً! ألسنا على الحقّ؟»، قال: «بلى، والذي إليه المرجع والمعاد!»، قال: «فإذاً، لا نبالي أن نموت محقّين» (روضة الواعظين، ص180). هذا هو منطق الإيمان والبصيرة؛ أن يسلّم الإنسان أمره لمن هو أعلم وأبصر بمصير الأمّة.
إنّ من أخطر ما يواجه المجتمعات في زمن الحرب هو التسرّع في إطلاق المواقف، أو التشكيك في قرارات القيادة من دون الإحاطة بالظروف والمعطيات، وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «ما من حركةٍ، إلّا وأنت محتاج فيها إلى معرفة» (بحار الأنوار، ج74، ص267). لذلك، فإنّ مسؤوليّتنا في زمن المواجهة أن نحفظ وحدة الموقف، وأن نلتزم بالطاعة الواعية، وأن نثق بأنّ القيادة تحمل همّ الأمّة وتسهر على مصيرها وتسعى إلى ما فيه صلاح الأمّة وعزّتها. فطوبى لمن كان قلبه سليماً، يعرف طريقه، ويطيع مَن يهديه، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «فَطُوبَى لِذِي قَلْبٍ سَلِيمٍ، أَطَاعَ مَنْ يَهْدِيه، وتَجَنَّبَ مَنْ يُرْدِيه، وأَصَابَ سَبِيلَ السَّلَامَةِ بِبَصَرِ مَنْ بَصَّرَه، وطَاعَةِ هَادٍ أَمَرَه» (نهج البلاغة، ص331، الخطبة 214). فبهذه البصيرة، وبهذه الطاعة الواعية، تُصان الأمّة، ويُصنع النصر.


