يتم التحميل...

الخطاب الثقافي (رقم 21)

وعد الله الذي لا يتخلَّف

عدد الزوار: 30

على عهدِنا باقون، ولخطِّ الإمام القائدِ الشهيدِ مستمرّون.

التعميمُ الثقافيُّ اليوميُّ في أيّامِ الجهادِ في سبيلِ الله، زادٌ لتقويةِ النفوسِ، وشدٍّ للعزائمِ، وترسيخ للثباتِ في الميدان.

الخطاب الثقافي (رقم 21)

وعد الله الذي لا يتخلَّف


إنّ موازين القوّة لا تُقاس دائماً بالعدّة والعدد، بل بالإيمان والثبات والارتباط بالله تعالى. ومن أظهر الشواهد على ذلك ما جرى في معركة بدر الكبرى، حين وقف المسلمون قلّةً وضعفاً أمام عدوّ يفوقهم قوّةً وعدداً، ومع ذلك نصرهم الله، قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (سورة آل عمران، الآية 123). فالمؤمنون يومها لم يكونوا يملكون من أسباب القوّة ما يملكه عدوّهم، لكنّهم امتلكوا ما هو أعظم: الثقة بالله واليقين بوعده.

من هنا يتّضح أنّ الثقة بالله ليس مجرّد حالة شعوريّة أو أمنية في القلب، بل هو يقينٌ يدفع الإنسان إلى العمل والسعي والجهاد. فالمؤمن حين يثِق بربّه يُوقِن بأنّ وعد الله حقّ، وأنّ نصره آتٍ لا محالة، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ (سورة محمّد، الآية 7). غير أنّ هذا الوعد الإلهيّ العظيم مشروط بأن يبذل المؤمنون جهدهم في سبيل الله، وأن يقفوا في مواجهة الظلم والعدوان، وألّا يستسلموا للضعف أو الوهن. وقد بيّن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) هذه الحقيقة بوضوحٍ في عهده إلى مالك الأشتر، حين قال: «وأَنْ يَنْصُرَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِقَلْبِهِ ويَدِهِ ولِسَانِهِ، فَإِنَّهُ -جَلَّ اسْمُهُ- قَدْ تَكَفَّلَ بِنَصْرِ مَنْ نَصَرَهُ» (نهج البلاغة، ص427، الكتاب 53). فالنصر الإلهيّ وعدٌ ثابت، والله سبحانه لا يُخلف وعده: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ (سورة المزمّل، الآية 18)، و ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (سورة آل عمران، الآية 9).

لكنّ الطريق إلى هذا النصر يحتاج إلى صبرٍ وثبات. فالصبر هو ثمرة اليقين بالله، وفرع من فروع حسن الظنّ به؛ ولذلك ربط القرآن بينه وبين النصر، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (سورة الأنفال، الآية 66). فالصبر هنا قوّة روحيّة تجعل القليل كثيراً، والضعيف قويّاً، حين يكون الله معه.

ومَن يتأمّل في القرآن يجد أنّ النصر الإلهيّ لا يتحقّق اعتباطاً، بل له شروطٌ واضحة؛ أوّلها الجهاد في سبيل الله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (سورة العنكبوت، الآية 69). وثانيها الثبات عند اللقاء، يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (سورة الأنفال، الآية 45). وثالثها الصبر والمصابرة والمرابطة، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (سورة آل عمران، الآية 200).

إنّ المؤمن الذي يحمل هذه المعاني في قلبه لا تضعف عزيمته أمام كثرة الأعداء؛ لأنّه يعلم أنّ النصر ليس مجرّد معادلة عسكريّة، بل هو قبل ذلك وعدٌ إلهيّ يتحقّق حين تتوافر شروطه. ولذلك، فإنّ أعظم ما يحتاج المؤمن إليه في زمن المواجهة هو أن يثبّت قلبه على الثقة بالله، وأن يمضي في طريق الحقّ صابراً، مستيقناً بأنّ الله لا يترك أولياءه، وأنّ فجر النصر يُولَد دائماً من رحم الصبر والثبات.

2026-04-07