على عهدِنا باقون، ولخطِّ الإمام القائدِ الشهيدِ مستمرّون.
التعميمُ الثقافيُّ اليوميُّ في أيّامِ الجهادِ في سبيلِ الله، زادٌ لتقويةِ النفوسِ، وشدٍّ للعزائمِ، وترسيخ للثباتِ في الميدان.
الخطاب الثقافي (رقم 19)
القرآن في زمن الحرب
في أيّام الحروب والابتلاءات، حين تضيق الأرض بما رحبت وتشتدّ وطأة الألم، يبقى القرآن الكريم هو الملجأ الأوّل، والسند الأقوى، والنور الذي لا تنطفئ شمسه. فالله تعالى أنزل كتابه ليحفظ الإنسان من السقوط في اليأس، وليُعيد إليه توازنه حين تهتزّ من حوله كلّ الثوابت، يقول تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (سورة الإسراء، الآية 9)، وهذه الهداية تشتدّ الحاجة إليها في زمن الفتن والمحن.
والقرآن ليس كتاباً يُتلى فحسب، بل هو رفيقُ الروح في لحظة الخوف، وسلاحُ القلب حين تتداخل أصوات الحرب. فيه يجد المؤمن الطمأنينة التي لا يمنحها سواه، وفيه يسمع وعد الله لعباده: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (سورة التوبة، الآية 40). هذه المعيّة الإلهية هي سرّ الثبات، وهي الحصن الذي يحمي المجاهد في موقعه، والنازح في غربته، والأمّ في خوفها على أبنائها.
وفي أحلك اللحظات، حين يشتدّ ضغط الواقع وتضيع الملامح بين الخوف والدمار، يفتح القرآن أمام المؤمن طريقاً آخر؛ طريقاً يُذكّره بأنّ الشدائد ليست انكساراً، بل هي امتحانٌ يُصقل القلب ويُعيد التوجّه نحو الله، يقول تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (سورة البقرة، الآية 155)، ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرً﴾ (سورة الشرح، الآية 6)، فهذه الوعود الإلهيّة هي التي تجعل المؤمن ثابتاً، يرى في القرآن سنداً يحفظ روحه من الانهيار، ويمنحه يقيناً بأنّ نور الله لا يُطفئه أيّ دخان حرب.
إنّ التعلّق بالقرآن في زمن الحرب ليس ترفاً روحيّاً، بل هو ضرورة وجوديّة؛ لأنّه يربّي النفس على الثبات، ويُبقي القلب حاضراً، ويمنح الإنسان بصيرةً يرى بها ما وراء دخان المعارك. وكلّ من يحمل القرآن في قلبه يحمل سلاحاً لا يُهزَم، ونوراً لا يُحجَب، وقوّةً تتجاوز حدود المادّيّات.
فلنلجأ إلى القرآن في شدّتنا كما نلجأ إلى السلاح في معركتنا، ولنجعله زادَ الروح، ودليلَ الطريق، وعهداً بيننا وبين الله بأن نبقى ثابتين ما دام في الصدر نفسٌ يتحرّك، وفي القلب نورٌ يتلألأ بكلامه العظيم.


