على عهدِنا باقون، ولخطِّ الإمام القائدِ الشهيدِ مستمرّون.
التعميمُ الثقافيُّ اليوميُّ في أيّامِ الجهادِ في سبيلِ الله، زادٌ لتقويةِ النفوسِ، وشدٍّ للعزائمِ، وترسيخ للثباتِ في الميدان.
الخطاب الثقافي (رقم 16)
بناء الإنسان في الشدائد
إنّ الإنسان الذي كرّمه الله تعالى قادرٌ على أن يحلّق في مدارج الكمال، وأن يرتقي في أشدّ الظروف قسوةً، حتّى في أيّام الحرب والابتلاء، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (سورة الإسراء، الآية 70)؛ وهذا التكريم لا يُسلبه العدوّ، ولا تُطفئه المحن، بل يسطع أكثر حين يثبت المؤمن على الحقّ ويصبر.
لقد جاء الأنبياء (عليهم السلام) ليوقظوا في الإنسان قدرته على تجاوز الخوف والضعف، وليعيدوا إليه بصيرته عندما تعصف به الفتن، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (سورة الحديد، الآية 9). وفي هذه الأيّام العصيبة، نحن أحوج ما نكون إلى هذا النور، نور الإيمان الذي يرفعنا فوق الجراح والدمار.
أيّها المجاهدون، يا من تقفون في خطوط المواجهة، أنتم استمرار لمسيرة الأنبياء في حماية الإنسان والدفاع عن المستضعفين، وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «فَرَضَ اللَّه... الْجِهَادَ عِزّاً لِلإِسْلَامِ» (نهج البلاغة، ص512، الحكمة 252)؛ فكلّ خطوةٍ منكم، وكلّ صمودٍ لكم، هو رفعةٌ لهذه الأمّة.
ويا أهلنا النازحين، إنّ صبركم ليس صبراً عاديّاً، بل هو عبادةٌ تُكتب عند الله بأعلى المقامات. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (سورة الزمر، الآية 10)، وما دام القلب ثابتاً على الإيمان، فلن تستطيع الحرب أن تهدم الروح، ولا أن تطفئ نور اليقين.
وإنّ القرآن الكريم لهو كتاب بناء الإنسان في السلم والحرب، وفي الرخاء والشدّة؛ به تثبت القلوب حين تتزلزل الأرض، وتستمدّ الروح القوة حين تعصف المحن. هو يعلّم المؤمن الصبر في مواجهة الصعاب، ويرفع نظره إلى ما وراء الألم، ويحوّل المحن إلى مسالك للقوّة والقرب من الله. بآياته يزداد القلب ثباتاً، والعقل وضوحاً، والإرادة صلابة، حتى يصبح المؤمن قادراً على الصمود أمام أصعب الظروف، ويجعل من الشدائد سلّماً نحو الرقيّ الروحيّ والنضج الإنسانيّ.


