على عهدِنا باقون، ولخطِّ الإمام القائدِ الشهيدِ مستمرّون. التعميمُ الثقافيُّ اليوميُّ في أيّامِ الجهادِ في سبيلِ الله، زادٌ لتقويةِ النفوسِ، وشدٍّ للعزائمِ، وترسيخ للثباتِ في الميدان.
الخطاب الثقافي (رقم 13)
ثقافة الشهادة والتضحية
إنّ ثقافة الشهادة هي جوهر الإيمان وسرّ عظمة الأمّة، وهي ليست ثقافة الموت، بل ثقافة الحياة بمعناها الأسمى، الحياة التي تُعاش لله، وتُقدَّم فيها الروح في سبيله عزّ وجلّ، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا، بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (سورة آل عمران، الآية 169). هذه الآية تُرسِّخ في وجدان المؤمن أنّ الشهيد لا يفنى، بل ينتقل إلى حياةٍ أرقى وأشرف.
حين نربّي أبناءنا على حبّ التضحية، فنحن نغرس فيهم معنى الحياة الكريمة، لا الخوف من الموت. نحدّثهم عن أنّ الشهادة هي قمّة الإخلاص في طريق الحقّ، كما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَتَحَه اللَّه لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِه، وهُوَ لِبَاسُ التَّقْوَى، ودِرْعُ اللَّه الْحَصِينَةُ، وجُنَّتُه الْوَثِيقَةُ» (نهج البلاغة، ص69، الخطبة 27).
تبدأ هذه التربية من البيت؛ من الأمّ التي تحكي عن الشهداء كقدواتٍ للبطولة، لا كضحايا، ومن الأب الذي يعلّم أبناءه أنّ الكرامة أغلى من الحياة، وأنّ الثبات في وجه الباطل طريق الأنبياء والأولياء.
وعلينا أن نربّي أبناءنا على فهم قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (سورة الأنعام، الآية 162)؛ أي أن يكون الله هو الغاية في كلّ حركةٍ وسكون، في السلم كما في الحرب.
وقد ورد عن الإمام الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء قوله: «إنّي لا أرى الموت إلّا سعادة، ولا الحياة مع الظالمين إلّا برما» (تحف العقول، ص245). إنّ هذه الكلمة تختصر تربية الجيل الحسينيّ الذي يرى في التضحية طريقاً للحرّيّة والكرامة.
بهذه المعاني، نحفظ لأبنائنا هويّتهم الإيمانيّة، ونصنع جيلاً لا تُرهبه المعارك؛ لأنّه يعلم أنّ الشهادة ليست نهاية الطريق، بل بدايته نحو ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (سورة التوبة، الآية 72).


