على عهدِنا باقون، ولخطِّ الإمام القائدِ الشهيدِ مستمرّون.التعميمُ الثقافيُّ اليوميُّ في أيّامِ الجهادِ في سبيلِ الله، زادٌ لتقويةِ النفوسِ، وشدٍّ للعزائمِ، وترسيخ للثباتِ في الميدان.
الخطاب الثقافي (رقم ١)
الثبات في زمن الشدائد
إنّ زمن الشدائد هو المِحكّ الذي تُختبَر فيه النفوس، وتنكشف فيه معادن الرجال. في لحظات الاضطراب والامتحان، يتمايز الثابت من المتزلزل، والمؤمن من المدّعي. وقد أكّد القرآن الكريم أنّ الثبات في ميادين البلاء علامةُ صدقٍ وإيمانٍ، فقال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (سورة الأحزاب، الآية 23).
الثبات ليس مجرّد تحمّلٍ للألم، بل هو موقفُ وعيٍ ويقينٍ بأنّ وعدَ الله آتٍ، وأنّ العاقبة للمتّقين، قال تعالى: ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ (سورة آل عمران، الآية 120)، فالصبرُ والثباتُ في وجه الشدائد طريقُ النصر، كما قال تعالى أيضاً: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (سورة النحل، الآية 128).
وقد كان الأنبياء والأئمّة (عليهم السلام) قمماً في الثبات، فنوحٌ (عليه السلام) صبرَ تسعمئةٍ وخمسين عاماً على قومه ولم يلن، وإبراهيمُ (عليه السلام) واجهَ النارَ بقلبٍ مطمئنٍّ، قائلاً: «حَسْبيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» (قطب الدين الروانديّ، الدعوات، ص168)، وأهلُ كربلاءَ واجهوا السيوفَ بثقةٍ ورضا، ثابتين على خطّ الحسين (عليه السلام)، لا تزلزلهم شدّةٌ ولا يلينون لوعدٍ أو وعيد.
وفي ميادين الحرب والقتال، يتجلّى الثباتُ بأروع صوره، حين يقف المؤمنُ تحت القصف أو في خضمّ المعركة، لا يفرّ ولا يهن، مستحضراً قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (سورة الأنفال، الآية 45)، فالثباتُ في الميدان ليس مجرّد شجاعةٍ بدنية، بل هو وعيٌ وإيمانٌ وطمأنينةٌ إلى أنّ النصرَ من عند الله.
ولذلك يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «إِذَا هِبْتَ أَمْراً فَقَعْ فِيه، فَإِنَّ شِدَّةَ تَوَقِّيه أَعْظَمُ مِمَّا تَخَافُ مِنْه» (نهج البلاغة، ص501، الحكمة 175)، فالمؤمنُ الحقّ لا يهرب من الشدائد، بل يواجهها بثقةٍ ويقينٍ، لأنّ الهروب منها يزيدها ثِقَلاً وخوفاً، أمّا الإقدام بثباتٍ فيجعلها تنكسر أمام عزيمته. وهكذا يكون الثباتُ في المعركة دليلاً على الإيمان، وتجسيداً للولاء لله ولرسوله وأوليائه، ومفتاحاً للنصر الذي وعد الله به الصابرين.


