يتم التحميل...

ملامح حكم معاوية في زمن إمامة الحسين (عليه السلام): القمع وصناعة الولاء

إنّ معاوية بن أبي سفيان أراد إعادة الجاهليّة الأولى إلى المجتمع الإسلاميّ باسم الإسلام وإمرة المؤمنين. وقد اعتمد من أجل الوصول إلى هذا الهدف عدّة خطوات أثّرت تأثيراً بالغاً على الإسلام والمسلمين، حتّى تحوّلت تلك الخطوات إلى سمات سلبية بارزة في المجتمع الإسلاميّ:

عدد الزوار: 42

ملامح حكم معاوية في زمن إمامة الحسين (عليه السلام): القمع وصناعة الولاء

إنّ معاوية بن أبي سفيان أراد إعادة الجاهليّة الأولى إلى المجتمع الإسلاميّ باسم الإسلام وإمرة المؤمنين. وقد اعتمد من أجل الوصول إلى هذا الهدف عدّة خطوات أثّرت تأثيراً بالغاً على الإسلام والمسلمين، حتّى تحوّلت تلك الخطوات إلى سمات سلبية بارزة في المجتمع الإسلاميّ:

أولاً: تحويل الحكم الإسلاميّ من الخلافة إلى الملك
عندما تسلّم معاوية ولاية الشام تصرّف فيها من دون أي رادع، فكان تصرّفه كالملك، من الناحية العسكرية والسياسية والاقتصادية بل والاجتماعية، فقد أبعد العديد من القبائل العربية والمناوئين له، بالإضافة إلى استخدام المال بدون قيود بلا رقيب ولا حسيب.
 
وقال يخاطب أهل الكوفة شامتاً بهم: "يا أهل الكوفة، أترونني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحجّ، وقد علمت أنّكم تصلون وتزكّون وتحجّون؟ ولكني قاتلتكم لأتأمّر عليكم وأليَّ رقابكم..."[1].
 
ثانياً: الإرهاب والتجويع
لقد أشاع معاوية سياسية الإرهاب والتصفية الجسدية لكلّ قوّة معارضة للحكم، فقال سفيان بن عوف الغامديّ، وهو أحد قادة معاوية العسكريّين، قال: "دعاني معاوية فقال: إنّي باعثك بجيش كثيف أداة وجلادة، فالزم لي جانب الفرات حتّى تمرّ بهيت فتقطعها فإن وجدت بها جنداً فأغر عليهم، وإلّا فامض حتّى تغير على الأنبار، فإن لم تجد جنداً فامض حتّى توغل في المدائن. إن هذه الغارات يا سفيان على أهل العراق ترعب قلوبهم، وتفرح كلّ من له هوى فينا منهم، وتدعو إلينا كلّ من خاف الدوائر، فاقتل كلّ من لقيته ممّن هو ليس على مثل رأيك. وأخرب كل ما مررت به من القرى، واحرب الأموال فإن حرب الأموال شبيه بالقتل وهو أوجع للقلب"[2].
 
وكانت هذه الخطوة منه واسعة الانتشار في جميع الأقطار والبلاد الإسلامية، فقد أرسل الضحّاك بن قيس الفهريّ وأمره بالتوجّه ناحية الكوفة حتّى قتل الناس وسفك دمائهم[3].
 
وقد صوّر الإمام الباقر محمد (عليه السلام) هذه الحالة بقوله: "فقُتِلت شيعتنا بكلّ بلدة، وقُطعت الأيدي والأرجل على الظنّة، وكان من يُذكَر بحبنّا والانقطاع إلينا سُجن، أو نُهب ماله أو هُدّمت داره، ثمّ لم يزل البلاء يشتدّ ويزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحسين (عليه السلام)"[4].

ومن سياسة التجويع التي استخدمها معاوية محو أسماء المحبّين لأهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم من الديوان، وإسقاط عطائه ورزقه، فأرسل إلى عمّاله قائلاً: "انظروا من قامت عليه البيّنة أنّه يحبُّ عليّاً وأهل بيته فامحوه من الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه"[5].
 
خطوات الإمام الحسين (عليها السلام) في مواجهة سياسة معاوية
انتهج الإمام في مواجهة هذه الخطوات منهاجاً يقوّض هذا البناء من أساسه:

أولاً: مواجهة معاوية ورفض البيعة ليزيد
وقد أرسل الإمام (عليه السلام) لمعاوية رسالة طويلة جاء في بعض مقاطعها: "تريد أن توهم الناس في يزيد كأنّك تصف محجوباً أو تنعت غائباً،... ودع عنك ما تحاول، فما أغناك أن تلقى الله بوزر هذا الخلق بأكثر مما أنت لاقيه، فوالله ما برحت تقدح باطلاً في جورٍ وحنقاً في ظلم حتّى ملأت الأسقية، وما بينك وبين الموت إلّا غمضة فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود، ولات حين مناص"[6].
 
ثانياً: فضح جرائم معاوية
أرسل الإمام الحسين (عليه السلام) رسالة جاءت كردّ على الرسالة السابقة فضحت الحاكم الأمويّ معاوية. وجاء في هذه الرسالة مجموعة أمور منها:

أ- وصف حزب معاوية بحزب الظلمة.
 
ب- تذكيره بجرائمه المختلفة التي أدّت إلى إراقة دماء الأبرياء والعظماء من الصالحين الأصحاب كحجر بن عدّي، وعمرو بن الحمق الخزاعيّ، صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم وغيرهما.
 
ج- وصف خلافة معاوية بأنّها أعظم فتنة تمرّ بالأمّة الإسلاميّة.
 
د- تذكيره بنقض العهد وبنود الصلح الّذي أبرمه مع الإمام الحسن عليه السلام.
 
هـ- تهديده لمعاوية حسبما جاء في نصّ الرسالة: "فأبشر يا معاوية بالقصاص، واستيقن بالحساب، واعلم أنّ لله تعالى كتاباً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها، وليس الله بناس لأخذك بالظنّة، وقتلك أولياءه على التهم، ونفيك إيّاهم من دورهم إلى دار الغربة"[7].
 
* من كتاب: دروس تمهيدية في سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم )والأئمة المعصومين (عليهم السلام) - جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


[1] ابن أبي الحديد، عز الدين أبو حامد بن هبة الله بن محمد، شرح نهج البلاغة، ج4، ص160.
[2] م.ن، ج2، ص86.
[3] إبراهيم بن محمد الثقفي الكوفي، الغارات، تحقيق: السيد جلال الدين الحسيني، لا.ت، لا.ط، ج2، ص421.
[4] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج11، ص 43.
[5] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج11، ص 45 .
[6] ابن قتيبة الدينوري، عبد الله بن مسلم، الإمامة والسياسة، تحقيق: الدكتور طه محمد الزيني، مؤسسة الحلبي، لا.ت، لا.ط، ج1، ص195- 196.
[7] ابن أبي الحديد، عز الدين أبو حامد بن هبة الله بن محمد، شرح نهج البلاغة، ج4، ص327.

2026-01-20