يتم التحميل...

أساس كل خُلُق جميل

من المعلوم أن الصبر هو الأساس الأكبر لكل خُلُقٍ جميل، والتنزه من كلِّ خُلُقٍ رذيل، وهو حبس النفس على ما تكره، وعلى خلاف مرادها، طلبًا لرضا الله وثوابه.

عدد الزوار: 10

 أساس كل خُلُق جميل

مدرسة الصبر[1]

من المعلوم أن الصبر هو الأساس الأكبر لكل خُلُقٍ جميل، والتنزه من كلِّ خُلُقٍ رذيل، وهو حبس النفس على ما تكره، وعلى خلاف مرادها، طلبًا لرضا الله وثوابه. ويدخل فيه الصبر على طاعة الله، وعن معصيته، وعلى أقدار الله المؤلمة، كما في الرواية عن رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: "الصَّبْرُ ثَلَاثٌ: فَصَبْرٌ عَلَى الْمُصِيبَةِ، وَصَبْرٌ عَلَى الطَّاعَةِ، وَصَبْرٌ عَنِ الْمَعْصِيَةِ، فَمَنْ صَبَرَ عَلَى الْمُصِيبَةِ حَتَّى يَرُدَّهَا بِحُسْنِ عَزَائِهَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثَلَاثَمِائَةِ دَرَجَةٍ بَيْنَ الدَّرَجَةِ إِلَى الدَّرَجَةِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَمَنْ صَبَرَ عَلَى الطَّاعَةِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ سِتَّمِائَةِ دَرَجَةٍ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَةِ إِلَى الدَّرَجَةِ كَمَا بَيْنَ تُخُومِ الْأَرْضِ إِلَى مُنْتَهَى الْعَرْشِ، وَمِنْ صَبَرَ عَنِ الْمَعْصِيَةِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ تِسْعَمِائَةِ دَرَجَةٍ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَةِ إِلَى الدَّرَجَةِ كَمَا بَيْنَ تُخُومِ الْأَرْضِ إِلَى مُنْتَهَى الْعَرْشِ"[2]، فلا تتمّ هذه الثلاثة التي تجمع الدين كله إلا بالصبر: فالطاعات - خصوصًا الطاعات الشاقّة، كالجهاد في سبيل الله، والعبادات المستمرة كطلب العلم - لا تتمّ إلا بالصبر عليها، وتمرين النفس على الاستمرار عليها وملازمتها ومرابطتها، وإذا ضعف الصبر ضعفت هذه الأفعال، وربما انقطعت.

وكذلك كفُّ النفس عن المعاصي - وخصوصًا المعاصي التي يوجد في النفس داعٍ قويٌ إليها - لا يتمّ إلا بالصبر والمصابرة على مخالفة الهوى وتحمُّل مرارته.

وكذلك المصائب حين تنزل بالعبد ويريد أن يقابلها بالرضا والشكر، والحمدُ لله على ذلك لا يتمّ إلا بالصبر واحتساب الأجر، ومتى مرّن العبد نفسه على الصبر ووطّنها على تحمُّل المشاقّ والمصاعب، وجدّ واجتهد في تكميل ذلك؛ صار عاقبته الفلاح والنجاح. وقلّ من جدّ في أمر يطلبه واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر.

وإنّ مما يجنيه الصائمون في هذا الشهر العظيم والموسم المبارك تعويد النفس وحملها على الصبر، كما وصف النبيُّ الكريم صلى الله عليه وآله وسلم: "صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صَوْمُ الدَّهْرِ"[3].

وفي شهر رمضان يجتمع فيه أنواع الصبر كلها: الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصيته، والصبر على أقدار الله. ففيه الصيام، وفيه القيام، وفيه تلاوة القرآن، وفيه البرّ والإحسان والجود والكرم وإطعام الطعام والذكر والدعاء والتوبة والاستغفار وغير ذلك من أنواع الطاعات، وهي تحتاج إلى صبر ليقوم بها الإنسان على أكمل الوجوه وأفضلها.

وفيه كفُّ اللسان عن الكذب والغش واللغو والسبّ والشتم والصخب والجدال والغيبة والنميمة، ومنعُ بقية الجوارح عن اقتراف جميع المعاصي، وهذا يكون في شهر رمضان وفي غيره، والبعد عن هذه المعاصي يحتاج إلى صبر حتى يستطيع العبد حفظ نفسه عن الوقوع فيها.

وشهر رمضان فيه ترك الطعام والشراب وما يتعلق بها - والنفس تتوق لذلك -، وكذلك حبس النفس عما أباحه الله من الشهوات والملذات كالجماع ومقدماته، وهذا لا تستطيع النفس عليه إلا بالصبر.

مدرسة الجدّ والنشاط
الصيام مصدر قوة روحية تدفع إلى العمل، واعتقاد المؤمن أنّه يؤدّي عبادة فرضها الخالق مما يمده بالروح الفتى والعزم القوى؛ لذلك كانت شهور رمضان أيام نصر حربي، وفوز نضالي. ففي مواسم هذا الشهر الكريم تحققت انتصارات إسلامية رائعة، منها بدر[4] وفتح مكة[5]، ولكن رمضاننا هذه الأيام لا نصيب له مما فات، فالناس تعتبره فرصة للنوم، والتهرب من النشاط، بل عدم الإنتاج، والكسل في بعض الحالات، مع أنه من المستحبّ أن ندعو "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَارْزُقْنا فِي شَهْرِنا هذا الجِدَّ وَالاِجْتِهادَ، وَالقُوَّةَ وَالنَّشاطَ، وَما تُحِبُّ وَتَرْضى"[6].

ومن الضروري التأمل في ظروف معركة بدر، وكيف تجلّت يد الغيب فيها عبر التدخل الإلهي المباشر، وأيضًا في لحظات انقطاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وابتهاله وتبتله إلى الله - عزّ وجلّ-: "لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم إِلَى الْمُشْرِكِينَ، وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم الْقِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: اللَّهُمَّ، أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ. فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ..."[7].
 
* من كتاب: تذكرة لمن يخشى - دار المعارف الإسلامية الثقافية


[1]معنى الصبر لغةً: الصَّبْـرُ نقيض الجَزَع. صَبَرَ يَصْبِرُ صَبْـرًا فهو صابِرٌ وصَبَّار وصَبِيرٌ وصَبُور، والأُنثى صَبُور أَيضًا بغير هاء، وجمعه صُبُـرٌ. وأَصل الصَّبْر الحَبْس، وكلّ من حَبَس شيئًا فقد صَبَرَه، والصبر: حبس النفس عن الجزع. معنى الصبر اصطلاحًا: الصبر هو حبس النفس عن محارم الله، وحبسها على فرائضه، وحبسها عن السخط والشكاية لأقداره. وقيل هو: ترك الشكوى من ألم البلوى لغير الله، لا إلى الله-. وقيل الصبر: حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع، أو عما يقتضيان حبسها عنه-.
[2]الشيخ الكليني ، الكافي، ج2، ص91.
[3]مسند أحمد، ج2، ص384.
[4]غزوة بدر هي أول غزوة في الإسلام، وقعت في السابع عشر من شهر رمضان في العام الثاني للهجرة، حيث قاد الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم جيشَ المسلمين، وقاد أبو جهلٍ جيش قريش، وسُمّيت هذه المعركة ببدرٍ نسبة إلى المكان الذي وقعت فيه، وهو بئر بدرٍ الذي يقع بين المدينة المنورة ومكة المُكرّمة. تُعتبر هذه الغزوة هي الفيصل الذي غيّر تاريخ الإسلام، فأصبح للإسلام كيانٌ وشأنٌ في الجزيرة العربيّة بعد انتصار المسلمين بعددهم القليل الذي كان حوالي 313 رجلًا، على جيش قريش بعددهم الكبير الذي كان مؤلفًا من 1000 رجلٍ، حيث استُشهد 13 رجلاً من المسلمين، وقُتل من قريش 70 رجلًا من بينهم قائدهم أبو جهل، وأُسر منهم 70 رجلًا، ومع هذه النتائج زادت ثقة المسلمين بأنفسهم، وأصبح لدولتهم دخلٌ من غنائم المعارك.
[5]وقعت غزوة فتح مكة أو الفتح العظيم في العشرين من شهر رمضان عام 8 للهجرة، وسُميت بالفتح العظيم نسبةً إلى فتح مكة المكرمة التي لم يدخلها المسلمون منذ الهجرة منها. وقد قاد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هذه الغزوة نتيجة نقض قريش لصُلح الحُديْبية الذي عُقد بينها وبين المسلمين، حيث هجمت قبيلة بن بكر حليفةُ قريش على قبيلة خزاعة حليفة المسلمين. كان جيش المسلمين عدده 10.000 مقاتل، ودخل مكة من جميع الجهات سِلماً، حيث لم يقاتل أحدًا، فعندما وصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الكعبة المشرّفة حطّم ما حولها من أصنام وتماثيل، وطاف حول الكعبة، ورفع بلال بن رباح الأذان من أعلى الكعبة المشرّفة.
[6]من أدعية الأيام في شهر رمضان.
[7]البخاري، صحيح البخاري، ج5، ص165.

2026-10-27