يتم التحميل...

سياج النفس في شؤون الحياة

مردّ كل هذا التّأكيد والتّشديد على التّقوى حتى لا يغفل الإنسان عن نفسه، ويراقبها، ويحترز من أن يخطئ، أو يغفل عن حاله، وهدفه، ومصيره، وسبيله، ووظيفته. ويمكن تشبيه هذه الحالة بقيادة السّيارة في طريق متعرّج، ومنزلِق، وخطِر، فمن الممكن أن تنحرفوا وتزلّ أقدامكم إذا ما غفلتم ونسيتم في أي حال أنتم.

عدد الزوار: 10

سياج النفس في شؤون الحياة

المراقبة المستمرة
مردّ كل هذا التّأكيد والتّشديد على التّقوى حتى لا يغفل الإنسان عن نفسه، ويراقبها، ويحترز من أن يخطئ، أو يغفل عن حاله، وهدفه، ومصيره، وسبيله، ووظيفته. ويمكن تشبيه هذه الحالة بقيادة السّيارة في طريق متعرّج، ومنزلِق، وخطِر، فمن الممكن أن تنحرفوا وتزلّ أقدامكم إذا ما غفلتم ونسيتم في أي حال أنتم. [1]

على الجميع أن يراقبوا أنفسهم. على الجميع أن يراقبوا أفعالهم، وإن هذه المراقبة لهي التقوى التي طُلب منّا في عيد الفطر أن نأمر بها أنفسنا والمستمعين لنا. [2] فلنتأمل في أعمالنا، وفي أفعالنا، وأقوالنا، وفي معاشرتنا، حتى فيما يجول في خواطرنا -من خواطر قلبيّة- فلنتأمّل فيها، ولنسعَ بأن لا نميل عن سبيل الله وطريق الحق. إن هذه هي التقوى، ولعلّ أحد أهداف صوم شهر رمضان المبارك، أو لعل الهدف الأساسي منه، هو أن نحصل بالصوم على ذخيرة من التقوى، وأن يحوّلنا (الصوم) إلى متّقين[3]. إن لهذه المراقبة بركات جمّة. وهذه المراقبة هي التي تحفظ الإنسان على الصراط المستقيم الإلهي. [4]

المراقبة الشديدة للأعمال الفردية
ماذا تعني التقوى؟ إنها تعني تلك الشِّدّة من المراقبة بحيث لا يحيد الإنسان عن جادة الحق في ممارساته الشخصية. وهذا ما تعنيه التقوى؛ أي أن يراقب المرء نفسه مراقبة تامّة في تداوله للأموال، في معاملة الناس وكراماتهم؛ في الاستخدام والتّوظيف، أو في الصّرف والاستغناء، وكذلك في الكلام حتى لا ينطق بما يخالف الحق. تصفّحوا نهج البلاغة فهو حافل بهذه المقولات. [5]

المراقبة في جميع شؤون الحياة
إنّ التقوى هي الدرس الخالد الذي يُعطيه أمير المؤمنين(عليه السلام)، فلو أنكم تراجعون نهج البلاغة ستدركون أنه لم يكرر أيّ توصية وطلب بالمقدار الذي دعا فيه إلى التقوى. إنّ التقوى في الواقع من أهم المفاصل في حياة أمير المؤمنين العملية، وفي إرشاداته وتوصياته.

والتقوى تعني: مراقبة النفس، فعلى العبد أن يراقب نفسه دائمًا، فيراقب أعماله وسلوكاته، أي أن يراقب عينه ولسانه وسمعه ويده، كما يراقب قلبه، أن يراقب عدم تغلغل الخصال الحيوانية الدنيئة [في وجوده]، وعدم الميل إلى الهوى، وعدم الانجذاب إلى المظاهر التي تؤدي به إلى الهاوية، فلا يضمر الحسد ولا يريد الشرّ لغيره، وأن لا يسمح للوساوس أن تصل إلى فؤاده، وعليه أن يجعل من قلبه مسرحًا للفضائل وذكر الله وحبّ أوليائه وعباده، وأن يراعي التقوى في الفكر والعقل، بأن يصون العقل من الانحراف والوقوع في الأخطاء والمزالق، وإنقاذه من الجمود، وتوظيف الذكاء في شؤون الحياة، إذاً فالمراقبة المستمرة للجوارح والقلب والفكر والعقل من التقوى. [6]

التقوى ليست سوى مراقبة النفس، فلنراقب قولنا وفعلنا ومعاشرتنا ومواقفنا، ولنحذر؛ لئلا تتغلغل إرادة الشيطان في مواقفنا وأعمالنا وأفكارنا.

هذه هي التقوى وإنّ الله ليُعين كلّ من يتمتّع بهذه المراقبة، لا أنه لن يرتكب الخطأ، ولا أنه يصبح معصومًا عن الذنب والمعصية، ولكن الله يعينه ويأخذ بيده، ومن هنا ندرك ضرورة الاهتمام بالتقوى، والتوصية بها في كل صلاة جمعة، فإمام الجمعة نفسه يحتاج هذه الوصية. ونحن أيضًا بحاجة إلى أن يوصونا بالتقوى، وينبّهوا قلوبنا ويذكّروها بعروة الإسلام الوثقى هذه. [7]

فعندما يوصي القرآن بالتقوى في جميع آياته، فإنه يعني الحذر ومراقبة النفس، فالطّمع من صفات النفس الإنسانية. [8]

لم تتقيد التقوى في حياة إمامنا العظيم بمعنى القيام بالعبادات، فكانت التقوى (الملاك) في كل شيء. التقوى تعني المراقبة الصّحيحة للعمل والفعل، خاصّة فيما يرتبط بالأمور الهامّة. فكان من مظاهر التّقوى عنده: الدرس، والمعاشرة، والحضور في مراكز العلم، والحضور الفعّال في المجتمع والعائلة وفي مجالات الحياة. [9]

التقوى حصن الإنسان
هي التقوى التي ظلَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) يوصي بها طوال فترة حكمه -ربّما لا تجد في نهج البلاغة موضوعًا حظي بالاهتمام مثلما حظي به موضوع التقوى- وكَثُر  في الأدعية والروايات طلبُ التقوى، وكثيرًا ما كان الإمام الخميني (قدس سره) يحثّ في كلماته على التمسّك بالتقوى، على اعتبار أنها حصن. والمراقبة الدائمة لأنفسكم بمنزلة سياج يحيط بكم، فإيّاكم وأن يُكسر هذا الحصن. فأنتم تحتلّون حاليًا مكانة حساسة، وربّما يتسنى لكم -أو لا يتسنى- البقاء في المناصب ذاتها في السنوات القادمة. وليس هذا هو المهم، وإنّما المهم هو مراعاة هذا الجانب في كل لحظة إلى حين اليوم الأخير والساعة الأخيرة لوجودكم في هذه المسؤولية. [10]
 
* من كتاب: التقوى في كلمات الإمام الخامنئي - دار المعارف الإسلامية الثقافية


[1]تأمل في دعاء وداع شهر رمضان المبارك 28/ 5/ 1987
[2]خطبة صلاة عيد الفطر في 9/2/1997
[3]خطبة صلاة الجمعة في طهران 31/1/1997
[4]في لقاء مع قيادات ومسؤولي الحرس الثوري 17/9/1997
[5]في لقاء حشود شعبية بمناسبة ولادة أمير المؤمنين(عليه السلام) في 21/9/2002
[6]خطبة صلاة الجمعة في طهران 19/8/2005
[7]خطبة صلاة الجمعة في طهران 13/2/2004
[8]في لقاء نواب مجلس الشورى الإسلاميّة الثامن 16/6/2004
[9]في مراسم تخريج الضبّاط في مدرسة الإمام الخميني (رض) البحرية وجامعة العلوم والفنون البحرية في نوشهر 19/5/1999
[10]في لقاء النواب والعاملين في مجلس الشورى الإسلامي 31/5/1999

2026-10-27