التجارة الرابحة
ما أسس المعاملة في هذه التجارة؟ أشارت الآية الشريفة إلى ثلاثة أسس تقوم عليها هذه التجارة المربحة، وهي:
عدد الزوار: 14التجارة الرابحة
ما أسس المعاملة في هذه التجارة؟
أشارت الآية الشريفة إلى ثلاثة أسس تقوم عليها هذه التجارة المربحة، وهي:
الإيمان بالله:
قال تعالى: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾، فكيف يكون الإنسان مؤمنا حقيقيًا بالله - عزّ وجلّ -؟ وهذه المرتبة القرآنية التي منحها الله عبادَه الصالحين، والتي تنفعهم بعد الموت وتنجيهم، ألا تحتاج إلى وقت وتأمل وتفكر؟!
فالإيمان يحتاج إلى عقل وقلب، وكلاهما يحتاجان إلى وقت وجهد، فلغة العقل هي البرهان والاستدلال، ولغة الإيمان هي الحبّ[1] والاطمينان، ومحلُّه القلب، وإذا دخل فيه فلا يمكن أن يُأخَذ بسهولة، وكما في الرواية عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام: "إنّ المؤمن أشدّ من زبر الحديد. إنّ الحديد إذا أُدخل النارَ تغيّر، وإنّ المؤمن لو قُتل ثمّ نُشر ثمّ قتل لم يتغيّر قلبه"[2].
الإيمان برسوله صلى الله عليه وآله وسلم:
وقال تعالى ﴿وَرَسُولِهِ﴾. كيف تؤمن برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ هل فقط بمعرفة أمره ونهيه؟! وهل ينفصل الإيمان به صلى الله عليه وآله وسلم عن الاقتداء والتأسي والمحبة الحقيقية عبر إطاعته قولًا وفعلًا وخلقًا؟
وفي بيان معنى الاستنان والتأسي يروى عن الإمام الرضا عليه السلام: "لا يكون المؤمن مؤمنًا حتّى تكون فيه ثلاث خصال: سنّة من ربّه، وسنّة من نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وسنّة من وليّه. فأمّا السنّة من ربّه: فكتمان سرّه[3]، قال الله - عزّ وجلّ -: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾[4]، وأمّا السنّة من نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم: فمداراة الناس[5]، فإنّ الله - عزّ وجلّ - أمر نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم بمدارة الناس، فقال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾[6]، وأما السنّة من وليّه عليه السلام فالصبر في البأساء والضرّاء"[7].[8]
المجاهدة بالمال والنفس:
قال تعالى: ﴿وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾[9]، وفيه إشارة إلى أن الجهاد بالمال عبادة من العبادات، ولعلّه قدّم المال على النفس لأنّ المجاهدة بالأموال أكثر وقوعًا، وأتمّ دفعًا للحاجة؛ حيث لا تتصَوَّر المجاهدة بالنفس بلا مجاهدة بالمال. وقيل: ترتيب هذه المتعاطفات في الآية على حسب الوقوع؛ فالجهاد بالمال لنحو التأهّب للحرب، ثم الجهاد بالنفس[10].
وكانت تلك من آخر وصايا أمير المؤمنين عليه السلام قوله: "اللهَ اللهَ في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله"[11].
أيهما أحبّ إليك؟
لو أدركت حقيقة هذا الأمر لذبت شوقًا إليه، وخجلًا منه، ورغبة فيه. وترجمة ذلك أنك تجد في نفسك حبًّا فطريًّا، وميلًا غريزيًّا للمال، ثم يطلب الله منك أن تنفقه في سبيله، هنا لا بدّ من أن تعقد مقارنة سريعة حتمية في داخلك: أيهما تحبّ أكثر: المال أم الله؟!، وهذه هي الحقيقة بكاملها: المال، أم الله؟! كل إنسان سيقول بلسانه: أختار الله على ما سواه، لكن لا بدّ من أن يصدِّق العمل قول اللسان، وإلا فما معنى الاختبار!
وترجمة هذا أيضًا أنك تجد في نفسك حبًّا فطريًا للآباء والأبناء والأزواج والعشيرة، ثم يأتي موقف إما أن تُرضي فيه الأحباب وإما أن ترضي فيه الله، وعليك أن تعقد مقارنة سريعة: الأحباب أم الله؟!، وتذكَّر أن الإجابة ستكون بالفعل لا بالقول.
الأمر جدُّ خطير، والقضية مصيرية في حياة الإنسان ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾[12]. انظر إلى هذه المقارنة، الجهاد جزء من حبّ الله ورسوله، لكن لماذا يُذكَر في هذا المقام؟ حتى يلفت النظر إلى قضية (الفعل لا القول). فلا يكفي أن تقول: أحبُّ الله أكثر، ولكن لا بدّ من الجهاد في سبيله، وبذل هذه الأشياء الثمانية المذكورة في الآية.
غزوة تبوك[13]، وفضحُ المنافقين
أن يمرّ على المجاهدين ظرف عسير، فهذه سنّة الله في الحياة، وقد مرّ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثلُ ذلك في غزوة تبوك، التي سميت بغزوة العسرة، وفيها دروس وعبر كثيرة، نقتصر فيها على محلّ الشاهد في القصة. بعد إعلان النبي صلى الله عليه وآله وسلم الموقف في إعداد العدة، وقف فيهم خطيبًا يحثّهم على الصدقات لتجهيز الجيش، لم يكن مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقيادته ما يجهزون به الجيش، فكان يطلب من المسلمين أنفسهم أن يجهزوه، وأن يساهم كلّ مسلم بما يستطيع لتجهيزه وإنفاق كرائم الأموال لذلك.
ماذا فعل المسلمون؟
قام المسلمون الصادقون وأهل الإيمان بالتسابق في تجهيز الجيش، وأنفق كلّ مؤمن صادق ما عنده، وتتابع الناس في صدقاتهم قليلها وكثيرها، وبعثت النساء المؤمنات صدقاتهن، وأخرجن أعضادهن وأقراطهن وخواتيمهن صدقة لله وفي سبيل الله.
أما أهل النفاق[14] ومن كان في قلوبهم مرض، فلم يأتوا بشيء، وأخذوا يسخرون من هؤلاء ويستهزئون ممن شارك وتصدق، فمن جاء بمال كثير قالوا ما جاء به إلا رياء وسمعة، ومن جاء بمال قليل همزوه ولمزوه، وقالوا له إن الله ورسوله غني عمّا جئت به، فأنزل الله سبحانه وتعالى ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[15].[16]
* من كتاب: تذكرة لمن يخشى - دار المعارف الإسلامية الثقافية
[1]- الشيخ الصدوق في الأمالي، ص 578: حدّثنا محمد بن موسى بن المتوكل، قال: حدثنا علي بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن محمد بن أبي عمير، قال: حدثني من سمع أبا عبد الله الصادق عليه السلام يقول: ما أَحَبَّ اللهُ - عزّ وجلّ - من عصاه، ثم تمثّل فقال:
تعصي الإله وأنت تظهر حبه هذا محال في الفعال بديعُ
لو كان حبك صادقًا لأطعته إن المحبّ لمن يحبّ مطيعُ
[2]العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج64، ص 304.
[3]إنّ الإنسان، بعد أن يكون الغالب عليه حبّ الكتم وكراهة الإفشاء، وحبّ الحديث والتفكّه بنشر الأسرار، فليتأمل بسنّة ربّه المطلع على أسرارنا وأعمالنا، وليتمثل بهذا الأدب، بحيث لم يفضحنا، ولم ينشر ذلك علينا، فلا أقلّ من أن يعامل الناس كما يعامله الله - عزّ وجلّ -.
[4]سورة الجن، الآيتان 26 - 27.
[5]لا بدّ من التفريق بين المداهنة والمداراة، فالأولى هي الموافقة على تحسين القبيح، أو ترك إنكاره رغبةً وطمعًا فيما عندهم، ليتوسّل إلى منافعهم الدنيوية، أو يجلب قلوبهم إليه من دون ملاحظة دفع مفسدة. وأمّا المداراة فهي ترك الإنكار دفعًا للمفسدة، أو لأجل تخفيفها، أو تحرّزًا عن تهييجها، وأين هذا من ذلك! والمداراة قد تكون لدفع الشرّ ممن تداريه، وقد تكون لاستجلابه إلى الخيـر، وكلّها في مقامٍ لا محلّ للإنكار، وإما للخوف، أو لعدم التأثير، فحينئذٍ الرفق والبشاشة وتحمّل الأذى، والدفع بالتي هي أحسن هي المدارة، قال الله فيها ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ *وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. فصلت، الآيتان (34-35).
[6]سورة الأعراف، الآية 199.
[7]ولا ريب في أنّ الدنيا سجن المؤمن، فأي سجنٍ جاء منه خير! ولقد قال الإمام الصادق عليه السلام لرجل اشتكى عنده الحاجة، قال له: اصبر، سيجعل الله لك فرجًا، ثم سكت ساعةً، ثم التفت إليه فقال: أخبرني عن سجن الكوفة، كيف هو؟ .. فقال: ضيّقٌ منتنٌ، وأهله بأسوء حال. قال: فإنما أنت في السجن، فتريد أن تكون فيه في سعة، أما علمت أنّ الدنيا سجن المؤمن. الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص250.
[8]الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص 241.
[9]سورة الجمعة، الآية 11.
[10]الألوسي، محمود شهاب الدين، روح المعاني، ج 4، ص 114.
[11]المعتزلي، ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج 5، ص 17.
[12]سورة التوبة، الآية 24.
[13]غزوة تبوك هي الغزوة التي خرج الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لها في رجب من عام 9 ھـ بعد العودة من حصار الطائف بنحو ستة أشهر. تُعدُّ غزوة تبوك آخر الغزوات التي خاضها الرسول، بدأت تداعيات تلك الغزوة عندما قرّر الرومان إنهاء القوة الإسلامية التي أخذت تهدد الكيان الروماني المسيطر على المنطقة؛ فخرجت جيوش الروم العرمرمية بقوى رومانية وعربية تقدَّر بأربعين ألف مقاتل، قابلها ثلاثون ألفًا من الجيش الإسلامي. انتهت المعركة بلا صدام أو قتال؛ لأن الجيش الروماني تشتّت وتبدّد في البلاد خوفًا من المواجهة، مما رسم تغيرات عسكرية في المنطقة، جعلت حلفاء الروم يتخلون عنها ويحالفون العرب كقوة أولى في المنطقة. لذلك، حققت هذه الغزوة الغرض المرجوّ منها على الرغم من عدم الاشتباك الحربي مع الروم الذين آثروا الفرار شمالًا، فحققوا انتصارًا للمسلمين دون قتال، حيث أخلوا مواقعهم للدولة الإسلامية، وترتب على ذلك خضوع النصرانية التي كانت تمّت بصلة الولاء لدولة الروم، مثل إمارة دومة الجندل، وإمارة إيلة مدينة العقبة حاليًا، على خليج العقبة الآسيوي-، وكتب الرسول محمد بينه وبينهم كتابًا يحدّد ما لهم وما عليهم. وقد عاتب القرآن الكريم مَن تخلّف عن تلك الغزوة عتابًا شديدًا، وتميزت غزوة تبوك عن سائر الغزوات بأن الله حثّ على الخروج فيها، وعاتب وعاقب مَن تخلف عنها، والآيات الكريمة جاءت بذلك، قال تعالى ﴿انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
[14]النفاق في المصطلح الإسلامي يُطلقُ على إظهار الإسلام قولًا وعملًا، وإضمار الكفر. ومَنْ يكون هذا حاله يُقالُ له "منافق"، ورأسماله الكذب والخديعة، فيتظاهر بالإيمان والعمل الصالح، ليتستَّر بالإسلام على كفره، ليأمن من بطش المسلمين، وليدفع الخطر عن نفسه. ويكون المنافق في الغالب مرتبكاً وخائفاً من الفضيحة.
[15]ومع بخل المنافقين لا يَسْلَم المتصدّقون من أذاهم. فإذا تصدّق الأغنياء بالمال الكثير عابوهم واتهموهم بالرياء، وإذا تصدّق الفقراء بما في طاقتهم استهزؤوا بهم، وقالوا سخريةً منهم: ماذا تجدي صدقتهم هذه؟ سَخِرَ الله من هؤلاء المنافقين، ولهم عذاب مؤلم موجع.
[16]سورة التوبة، الآية79.


