ماذا تعني العبودية لله حقًا؟
إنّ العبوديّة في منظار التعاليم الإسلاميّة ليست ذات درجة واحدة بسيطة، فهي ذات مراتب متعدّدة لا حصر لها، وهي مراتب مطلوبة. ومن أشهر التقسيمات لتلك المراتب هو القول المعروف
عدد الزوار: 18ماذا تعني العبودية لله حقًا؟
إنّ العبوديّة في منظار التعاليم الإسلاميّة ليست ذات درجة واحدة بسيطة، فهي ذات مراتب متعدّدة لا حصر لها، وهي مراتب مطلوبة. ومن أشهر التقسيمات لتلك المراتب هو القول المعروف عن أمير المؤمنين عليه السلام الذي صنّف فيه عبادة العباد إلى عبادة العبيد وعبادة التجّار وعبادة الأحرار. قال أمير المؤمنين عليه السلام: "إنّ قومًا عبدوا الله رغبةً فتلك عبادة التّجّار، وإنّ قَوْمًا عبدوا الله رهبةً فتلك عبادة العبيد، وإنّ قومًا عبدوا الله شكرًا فتلك عبادة الأحرار"[1].
والإسلام لا يرفض أيًّا من تلك العبادات الثلاث، لأنّ المطلوب هو أن يجعل العبد إرادته تابعة لإرادة الله، وقد تحصل التبعيّة هذه طمعًا بالجنّة، أو خوفًا من النار أو أنّ العبد يجد ربّه أهلًا للعبادة فيعبده. فالمطلوب الطاعة والعبوديّة بأيّ درجة أو مرتبة، وعدم الاستقلال والتمرّد على إرادة الله، لأنّ الاستقلال يكشف عن عدم اكتراث الإنسان بإرادة الله، وهذا ما يعاكس العبوديّة تمامًا.
فالعبوديّة لله هي فقدان المشيئة والإرادة الذاتيّة، فثمّة إرادة واحدة هي التي تجري، ولا بدّ أن تجري، وهي إرادة الله تعالى. وعليه، فإنّ الاستقلال لا ينسجم مع العبوديّة، فكلّما تكامل الإنسان في العبوديّة، تضاءل الاستقلال الذي يراه لنفسه، حتّى يصل إلى العبوديّة المحضة، ويغدو عبدًا كاملًا، وفي تلك المرحلة لا يرى ذرّةً من الاستقلال.
من هنا، إذا أردنا سلوك طريق العبوديّة، فإنّ أوّل فعل نقوم به هو أن نُقْصي القلبَ ورغباتِه جانبًا، ونجعل إرادة الله محورًا لأعمالنا وسلوكنا. ولأجل هذا، جاء سَنُّ الواجبات والمحرّمات في الشريعة، فأداء الواجبات وترك المحرّمات تمرينٌ كي نستطيع شيئًا فشيئًا أداء أعمالنا على أساس إرادة الله، ولا نكترث لما سوى إرادته.
عدم حاجة الله إلى عبادة الإنسان
ماذا يعني قولنا إنّ الله خلق الإنسان ليعبدَه؟ هل هذا يعني أنّ الله بحاجة إلى عبادة، وهو متعطّش لأن يخشع المرء ويخضع أمامه، وقد خلق الإنسان ليفعل ذلك أمامه؟ ولو أنّنا لم نعبد الله، فهل سينزعج لأنّنا لم نكترث للهدف الذي يتوخّاه من الخلق؟ هل الحاجة إلى الاحترام والتقدير هي التي تسبّبت في أن يخلق الإنسانَ، كما يرغب الإنسانُ بأن يحترمه الآخرون، وإنّ الله يرغب بدوره بأن يتمرّغ أناسٌ بالتراب أمامه، وهكذا يُشبع الشعورَ بحبّ الاحترام لديه - والعياذ بالله -؟
إنّ مثل هذه التصوّرات بشأن الله سبحانه وتعالى، هي في غاية السذاجة والجهل، فالله كمال مطلق، ولا معنى لمفردة "الحاجة" بالنسبة إليه، فهو لا حاجة إليه كي يحاول سدّها بخلقه للإنسان، وهو، عزّ وجلّ، القائلُ ﴿إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾[2].
فلا ينقص من الله شيء أو يزيد نتيجة عبادة الخلق له، ولا تصيبه بهجة أو لذّة، وكذلك لا توحشه الوحدة وفقدانُ المؤنس والجليس، كي يخلق الإنسان ليكون أنيسًا له في وحدته، كما يقول الإمام عليّ عليه السلام: "وَلمْ يُكَوِّنْهَا لِتَشْدِيدِ سُلْطَانٍ، وَلَا لِخَوْفٍ مِنْ زَوَالٍ وَنُقْصَانٍ، وَلَا لِلِاسْتِعَانَةِ بِهَا عَلَى نِدٍّ مُكَاثِرٍ، وَلَا لِلِاحْتِرَازِ بِهَا مِنْ ضِدٍّ مُثَاوِرٍ، وَلَا لِلِازْدِيَادِ بِهَا فِي مُلْكِهِ، وَلَا لِمُكَاثَرَةِ شَرِيكٍ فِي شِرْكِهِ، وَلَا لِوَحْشَةٍ كَانَتْ مِنْهُ فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَأْنِسَ إِلَيْهَا، ثُمَّ هُوَ يُفْنِيهَا بَعْدَ تَكْوِينِهَا، لَا لِسَأَمٍ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي تَصْرِيفِهَا وَتَدْبِيرِهَا، وَلَا لِرَاحَةٍ وَاصِلَةٍ إِلَيْهِ، وَلَا لِثِقَلِ شَيْءٍ مِنْهَا عَلَيْهِ، لَا يُمِلُّهُ طُولُ بَقَائِهَا فَيَدْعُوَهُ إِلَى سُرْعَةِ إِفْنَائِهَا، وَلَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ دَبَّرَهَا بِلُطْفِهِ، وَأَمْسَكَهَا بِأَمْرِهِ، وَأَتْقَنَهَا بِقُدْرَتِهِ، ثُمَّ يُعِيدُهَا بَعْدَ الْفَنَاءِ، مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنْهُ إِلَيْهَا، وَلَا اسْتِعَانَةٍ بِشَيْءٍ مِنْهَا عَلَيْهَا"[3].
فالله لا يحتاج إلى عبادتنا، ولا يضرّه تمرُّدنا، كما يقول الإمام عليّ عليه السلام أيضا في خطبة أخرى: "أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيًّا عَنْ طَاعَتِهِمْ، آمِنًا مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ، لِأَنَّهُ لَا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ، وَلَا تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَه"[4].
إنّ الله لا يتلذّذ حينما نعبده، ولا ينقص من كبريائه شيء عندما نبرز لحربه ونتمرّد عليه! وإذا ما وردت مثل هذه العبارات في الآيات والروايات وبعض النصوص الأخرى، فينبغي إرجاعها إلى الله بعد تشذيب مواطن النقص عن هذه المفاهيم، كما في سائر الموارد، ففي أبحاث التوحيد والمواضيع ذات الصلة بصفات الله، يتمّ التذكير بهذه المسألة، وهي: إذا ما قلنا – مثلًا –: إنّ الله "عالم" أو "قادر"، فينبغي أن لا نتصوّر أنّ علم الله وقدرته كعلمنا وقدرتنا نحن البشر، فعلمُنا حصوليّ وطارئ على الذات، أمّا علم الله فهو عينُ الذات، و"القدرة" لدينا تعني امتلاك القوّة العضليّة والأعصاب الحسّيّة والحركيّة... إلخ، ولكن هل إنّ الله يمتلك يدًا وساعدًا وعضلات؟ من هنا فإنّنا نقول: إنّ علم الله ليس كعلمنا (عالمٌ لا كعلمنا)، وهكذا الأمر فيما يخصّ سائر المفاهيم التي ننسبها إلى الله سبحانه وتعالى.
وكذا تعبير "الرضا" و"الغضب" وما شابهها، التي نستخدمها بشأن الله، فإذا قلنا إنّ العمل الفلانيّ مدعاة لرضا الله، فليس معناه أنّ حالة من البهجة والسرور تحصل لدى الله سبحانه وتعالى! فنحن نقرأ في دعاء عرفة: "إلهي تقدّس رضاك أن يكون له علّةٌ منك، فكيف يكون له علّة منّي"، فليس الأمر أنك تفتقد الرضا في بادئ الأمر ثمّ تخلقه بنفسك لنفسك، ناهيك عن أن أكون أنا سببًا في رضاك، أو أن نقول إنّ شيئًا ما يثير غضب الله وسخطه، أو إنّ الله قد غضب على فلانٍ من الناس أو على قوم معيّنين، فليس معناه أنّ الله يغضب كغضبنا بحيث يتغيّر حاله! فليس لله حالة كي تتغيّر، فالإنسان وما سواه أعجز مِن أن يُحدث شيئًا بالنسبة لله سبحانه وتعالى، أو يؤثّر في ذاته، إنّما هي التي يقول عنها الإمام الباقر عليه السلام: "كُلُّ ما ميّزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيه مخلوقٌ مصنوع مثلكم مردود إليكم"[5].
فالكثير ممّا ننسبه لله سبحانه، وتصوّراتنا عنه تعالى، إنّما هي واهية وتأتي من باب المقارَنة مع النفس. فنحن إذا رأينا فعلًا ما، ربطْنا مباشرة بين الفاعل وغايته الشخصيّة ومصلحته الذاتيّة. وهذا في الحقيقة ينطبق على المخلوق، والمخلوقات التي نراها من حولنا، لا على الله خالقِ وبارئ كلّ شيء. وما الأمر بطاعته وعبوديّته واتّباع أحكامه إلّا لأنّ فيها كمال الإنسان، ورفعة مقامه، ووصوله إلى سعادته الحقيقيّة، فالله تعالى لم يأمر بشيء إلّا لمصحلة الإنسان ومنفعته، لأنه هو الذي أوجده وهو أعلم بتكوينه وما يناسب خلقته.
* من كتاب: التربية الإيمانية - دار المعارف الإسلامية الثقافية
[1] العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج41، ص 14.
[2] سورة الزمر، الآية 7.
[3] خطب الإمام عليّ عليه السلام تحقيق صالح-، نهج البلاغة، الخطبة 186.
[4] العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج64، ص315.
[5] العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج66، ص293.


