آفات طالب العلم: الرياء والمراء وحب الظهور
إن درجة الإخلاص عظيمة المقدار كثيرة الأخطار دقيقة المعنى صعبة المرتقى، يحتاج طالبها إلى نظر دقيق، وفكر صحيح، ومجاهدة تامة. وكيف لا يكون كذلك، وهو مدار القبول،
عدد الزوار: 17آفات طالب العلم: الرياء والمراء وحب الظهور
إن درجة الإخلاص عظيمة المقدار كثيرة الأخطار دقيقة المعنى صعبة المرتقى، يحتاج طالبها إلى نظر دقيق، وفكر صحيح، ومجاهدة تامة. وكيف لا يكون كذلك، وهو مدار القبول، وعليه يترتب الثواب، وبه تظهر ثمرة عبادة العابد، وتعب العالم، وجد المجاهد. ولو فكر الإنسان في نفسه، وفتش عن حقيقة عمله لوجد الإخلاص فيه قليلا، وشوائب الفساد إليه متوجهة، والقواطع عليه متراكمة، سيما المتصف بالعلم وطالبه، وربما يلبس عليهم الشيطان ويقول لهم: غرضكم نشر دين الله، والنضال عن الشرع الذي شرعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ولكن يظهر قصده على حقيقته إذا ظهر زميل له أكثر علما منه وأحسن حالا، يصرف قلوب الناس إليه، فلينظر حينئذ: فإن كان يفرح لأتباعه والمادحين له والمعتقدين بفضله ويحترمهم أكثر من فرحه بأتباع الآخر واحترامهم، ويستبشر إذا لاقى أصحابه وأتباعه أكثر مما يستبشر بملاقاة أصحاب الآخر وأتباعه، فهو مغرور وعن دينه مخدوع وهو غافل لا يدري.
وهذا رشح من الصفات المهلكة المستترة في سر القلب التي يظن المتعلم النجاة منها، وهو مغرور في ذلك، وقد ينخدع بعض أهل العلم بغرور الشيطان، ويحدث نفسه بأنه لو ظهر من هو أولى منه لفرح به، وقوله هذا قبل التجربة والامتحان غرور، فالكلام والادعاء سهل، ولكن العمل ليس بسهولة الكلام، وكما يقال: عند الامتحان يكرم المرء أو يهان. فمن أحس في نفسه بهذه الصفات المهلكة، فالواجب عليه طلب علاجها من علماء الأخلاق، فإن لم يجدهم، فليحاول أن يستفيد من كتبهم ومصنفاتهم، ويسأل الله المعونة.
إن معرفة حقيقة الإخلاص، والعمل به بحر عميق يغرق فيه الجميع إلا القليل النادر المستثنى في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾[1] فليكن العبد شديد التفقد والمراقبة لهذه الدقائق، وإلا التحق بأتباع الشياطين وهو لا يشعر.
الاجتهاد في طلب العلم:
على الطالب أن يبذل جهده في الاشتغال بالقراءة والمطالعة والمباحثة والمذاكرة والحفظ، وأن تكون ملازمة الاشتغال بالعلم هي مطلوبه ورأس ماله.
عدم السؤال مراءً:
أن لا يسأل أحدا تعنتا وتعجيزا، بل سؤال متعلم لله أو معلم له سبحانه وتعالى منبه على الخير، قاصد للإرشاد أو الاسترشاد، فهناك تظهر زبدة التعليم والتعلم وتثمر شجرته، فأما إذا قصد مجرد المراء والجدل، وأحب ظهور الغلبة فإن ذلك يثمر في النفس صفات رديئة وسجية خبيثة، ويستوجب المقت من الله تعالى.
إن السؤال تعنتاً ومراءً يعتبر باباً يوصل إلى العديد من المعاصي: كإيذاء المخاطب وتجهيله والطعن فيه، والثناء على النفس والتزكية لها، وهذه كلها ذنوب مؤكدة، وعيوب منهي عنها. قال صلى الله عليه وآله وسلم: "من ترك المراء وهو محق بني له بيت في أعلى الجنة ومن ترك المراء وهو مبطل بني له بيت في ربض الجنة"[2].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يستكمل عبد حقيقة الإيمان حتى يدع المراء وإن كان محقاً"[3].
* من كتاب: الناجون من الهلاك - جمعية المعارف الإسلامية الثقافية
[1] - الحجر: 40.
[2] - إحياء علوم الدين ج158/2.
[3] - إحياء علوم الدين ج100/3.


