يتم التحميل...

الابتلاء.. طريق التمحيص والتكامل

إن مجرد ادعاء المرء الإيمان أو أي فضيلة لا تكفي لثبوت حقيقة ما ادعاه، فالادعاء ونسب الصفات الحميدة للنفس أمر مقدور لكل من له لسان ومقدرة على نظم الكلام،

عدد الزوار: 16

الابتلاء.. طريق التمحيص والتكامل

إن مجرد ادعاء المرء الإيمان أو أي فضيلة لا تكفي لثبوت حقيقة ما ادعاه، فالادعاء ونسب الصفات الحميدة للنفس أمر مقدور لكل من له لسان ومقدرة على نظم الكلام، ومن هنا كان البلاء من الله عز وجل للإنسان يقول الله تعالى (مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّب)[1].
 
فعند نزول البلاء تبين الحقائق ويفضح المستور ويستبين من كان يدعي الفضائل وهو فارغ منها (وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)[2].
 
سبب البلاء
يعترض الكثير من الناس عند نزول البلاء عليهم، بل يصل الأمر ببعضهم إلى التشكيك بالعدل الإلهي والعياذ بالله وسبب ذلك عدم استحكام الإيمان في قلوبهم بالدرجة الأولى وعدم المعرفة بحكمة الابتلاء من الله عز وجل لعباده، وللمطالع للروايات والآيات الكريمة أن يستشف بعض الأسباب والحكم التي يبتلي الله عباده لأجلها وهذه الحكم هي:
 
أولاً: أن تتبين حقيقة المدعين فكم من أشخاص يدعون من الكمالات والكرامات ثم بعد نزول البلاء تراهم ساخطين غير راضين بما قسم الله لهم، فعن الإمام عليه السلام في قوله تعالى: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة) ومعنى ذلك أنه سبحانه يختبر عباده بالأموال والأولاد ليتبين الساخط لرزقه والراضي بقسمه[3].
 
وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "في تقلّب الأحوال علم جواهر الرجال والأيام توضح لك السرائر الكامنة"[4].
 
ثانياً: استحقاق المثوبة من الله عز وجل، ففي تتمة الحديث في شرح قوله تعالى: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة) يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "وإن كان سبحانه أعلم بهم من أنفسهم ولكن لتظهر الأفعال التي بها يستحق الثواب والعقاب"[5].
 
ثالثاً: التأديب من الله لعباده، وغفران الذنوب، فعن الإمام عليه السلام: "... ولكن الله يختبر عباده بأنواع الشدائد ويتعبدهم بأنواع المجاهد ويبتليهم بضروب المكاره إخراجاً للتكبر من قلوبهم وإسكاناً للتذلل في قلوبهم ولجعل ذلك أبواباً فتحاً إلى فضله وأسباباً ذللاً لعفوه"[6].
 
شدة بلاء المؤمن
إذا كان البلاء تأديباً من الله لعباده ونظراً منه إليهم، فأولى الناس به هم المؤمنون، ولذلك كان أشد أنواع البلاء واقعاً على من حاز أعلى نسبة من الإيمان وهم الأنبياء، فعن الإمام الصادق عليه السلام: "أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الذين يلونهم ثم الأمثل فالأمثل"[7].
 
وفي الحديث الآخر عن الإمام الباقر عليه السلام: "إنما يبتلى المؤمن في الدنيا على قدر دينه"[8].
 
ومن خلال هذا نعرف أن المؤمن كلما ازداد إيمانه وكلما قرب من الله أكثر، عظم بلاؤه واشتد عليه، وقد ورد هذا المعنى في الحديث الشريف عن الإمام الصادق عليه السلام: "إنما المؤمن بمنزلة كفة الميزان، كلما زيد في إيمانه زيد في بلائه"[9].
 
ومن هنا كانت دعوة الإمام الباقر عليه السلام للشخص الذي ادعى محبته بأن يستعد للبلاء، فقد جاء في الحديث أن رجلاً قال له: والله إني لأحبكم أهل البيت فقال له عليه السلام: "فاتخذ للبلاء جلبابا، فوالله إنه لأسرع إلى شيعتنا من السيل في الوادي"[10].
 
وذلك لأن محبة أهل البيت عليهم السلام من تمام الإيمان بالله والرسالة…
 
 * من كتاب: زاد الصامدين - جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


[1] - آل عمران: 179.
[2] - آل عمران: 154.
[3] - ميزان الحكمة، الحديث 1890.
[4] - ميزان الحكمة، الحديث 1891.
[5] - ميزان الحكمة، الحديث 1890.
[6] - نهج البلاغة، ج 2، الخطبة 192، المسماة بالقاصعة.
[7] - ميزان الحكمة، الحديث 1898.
[8] - الكافي، ج 2، ص 253.
[9] - الكافي، ج 2، ص 254.
[10] - مستدرك الوسائل، ج 2، ص 437.

2026-09-03