يتم التحميل...

آليات العمل للوحدة عند الإمام الخميني (قدس سره)

انطلاقاً من قناعة الإمام الخميني قدس سره بضرورة وضع آليات عملية لتجسيد الدعوة إلى الوحدة والعمل بها، نلاحظ الآليات التي اعتمدها الإمام متعددة وفي ساحات شتى:

عدد الزوار: 11

آليات العمل للوحدة عند الإمام الخميني (قدس سره)

انطلاقاً من قناعة الإمام الخميني قدس سره بضرورة وضع آليات عملية لتجسيد الدعوة إلى الوحدة والعمل بها، نلاحظ الآليات التي اعتمدها الإمام متعددة وفي ساحات شتى:

الأول: في دستور الجمهورية الإسلامية: بالعودة إلى الدستور يُلاحظ تخصيص مادة كاملة في الدستور حول وحدة الأمة وتضامن شعوبها والتزام الجمهورية الإسلامية السعي لتحقيق الوحدة في كافة المجالات في العالم الإسلامي.

تقول المادة الحادية عشرة من الدستور: "بحكم الآية الكريمة "إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ" الأنبياء/92، يعتبر المسلمون أمة واحدة، وعلى حكومة إيران الإسلامية إقامة كل سياستها العامة على أساس تضامن الشعوب الإسلامية ووحدتها، وأن تواصل سعيها من أجل تحقيق الإتحاد السياسي والاقتصادي والثقافي في العالم الإسلامي".

كما يلاحظ في المادة الثانية عشر نصاً صريحاً وواضحاً يحفظ ويحترم كل المذاهب الإسلامية، ويعطي المناطق التي يتمتع فيها أحد المذاهب بالأكثرية حق تطبيق الأحكام المحلية في حدود صلاحيات مجالس الشورى المحلية لتلك المنطقة وفق ذلك المذهب.

وفي هذا كله تأكيد على أن آليات العمل للوحدة دخلت إلى وثيقة الدستور الإيراني منذ الأيام الأولى لتأسيس الجمهورية، وتحت رعاية وعناية مباشرة من الإمام الخميني قدس سره.

الثاني: تكريس أسبوع الوحدة الإسلامية بين الثاني عشر والسابع عشر من ربيع الأول، ذكرى ولادة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، بما له من معانٍ ودلالات وارتباط ببشير الإسلام، وهو مناسبة سنوية لجمع نخب من المفكرين والعلماء والكتاب والشعراء والباحثين في مؤتمرات سنوية، لوضع خطط وبرامج واقتراحات وأبحاث تساعد في تكريس الوحدة والدعوة إليها عالمياً.

ثالثاً: يلحظ الاهتمام الخاص عند الإمام بموسم الحج باعتباره أحد تجليات الوحدة الإسلامية العملية، وهو يساهم بفاعلية كبيرة في التذكير بإضفاء المعاني السياسة والاجتماعية إلى جانب المعاني التعبدية والروحية لفريضة الحج، فقد اعتبر الإمام "أن هناك عوامل سياسية عديدة وراء عقد الاجتماعات والمجامع، وخاصة اجتماع الحج القيم، والتي منها التعرف إلى المشاكل الأساسية، والقضايا السياسية للإسلام والمسلمين، ولا يمكن ذلك إلا باجتماع رجال الدين والمفكرين الملتزمين الزائرين لبيت الله الحرام، وذلك بعرض وتبادل الآراء لإيجاد الحلول، وفي العودة إلى البلدان الإسلامية يعرضونها في المجامع العامة، ويسعون في رفع وحل مشاكلهم".

إن لقاء المسلمين من شتى أنحاء العالم لأداء فريضة الحج يشكل مناسبة مهمة للدعوة إلى الوحدة والعمل لتكريسها كواقع بين المسلمين، لا سيما وهم يؤدون فريضة تحمل في مضمونها الكثير من معاني الوحدة والقوة للمسلمين.

يقول الإمام: "اعلموا أيها المسلمون أن هذا التجمع الكبير الذي ينعقد كل عام بأمر من الله تبارك وتعالى، يفرض عليكم بصفتكم أمة مؤمنة ذات عقيدة راسخة أن تبذلوا جهودكم في سبيل تقدم المسلمين وتضامنهم ووحدتهم الشاملة".

ويعتبر الإمام الحج مناسبة للتعبئة الروحية، وتجديد روح النهضة عند المسلمين فيقول: "يا زوار بيت الله، اتحدوا في المواقف والمشاعر الإلهية، واطلبوا من الله تعالى غلبة الإسلام والمسلمين ومستضعفي العالم".

يكمل الإمام "تعاضدوا وتوجهوا إلى الله العظيم، والجأوا إلى الإسلام، وانتفضوا ضد المستكبرين ومنتهكي حقوق الشعوب، قوموا من أماكنكم، واحملوا القرآن بأيديكم، واخضعوا لأمر الله تعالى لكي تعيدوا مجد الإسلام العزيز وعظمته، تعالوا واستمعوا إلى موعظةٍ واحدةٍ من الله عندما يقول: "قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى" سورة سبأ/46.

رابعاً: لا يخفى موقف الإمام وجهده العملي المبذول حتى قبل انتصار الثورة في دعم الحركات الجهادية ضد إسرائيل والاستعمار بشكلٍ عام، بغض النظر عن الانتماء المذهبي لأصحاب هذه الحركات، وقد صدر عنه العديد من الفتاوى في جواز صرف الحقوق الشرعية من (الخمس والزكاة) لصالح هذه الحركات في فلسطين ولبنان وغيرها من دول المواجهة مع الصهاينة. وهذا أيضاً منذ سنة 63 أو 64 ميلادية يعني قبل انتصار الثورة بحوالي خمسة عشرة عاماً.

وينطلق الإمام في هذا النهج من قناعة راسخة، بأن أحد أهم آليات تكريس الوحدة وتجذيرها في الأمة هو الالتقاء بين أبناءها في العمل الجهادي ضد أعداء الأمة، لا سيما ضد الصهاينة مغتصبي فلسطين والقدس الشريف، ولعل في هذا الأمر تجربة عملية ناجحة في لبنان وفلسطين يشهدها جيلنا المعاصر.

ويقول في هذا المجال: "إن كل الحكومات والشعوب الإسلامية تعلم ما هو الداء، وتعلم أن الأيادي الأجنبية تزرع الفرقة فيما بينهم، وهم يرون ما يلحق بهم من ضعف وانهيار في ظل التفرقة، ويرون أن دولة إسرائيل الخاوية تقف في مواجهة المسلمين، الذين لو كانوا مجتمعين وألقى كل واحدٍ منهم بدلوٍ من الماء على إسرائيل لجرفتها السيول. فلماذا لا يلجئ هؤلاء ـ مع علمهم بكل هذا ـ إلى العلاج الحاسم المتمثل في الاتحاد والإتفاق؟".

خامساً وأخيراً هناك مروحة واسعة من الآليات التي وضعها الإمام، أو دعمها وساعد على استمرارها وفاعليتها، نذكر بعض عناوينها:

- إقامة مجمع التقريبي بين المذاهب كمؤسسة علمية لدراسة نقاط الالتقاء الفقهي والمذهبي بين مختلف المذاهب الإسلامية، ولوضع الأبحاث والدراسات، وإقامة المؤتمرات التي يلتقي فيها علماء المذاهب الإسلامية المختلفة.

- تخصيص العديد من الوسائل الإعلامية المقروءة كمجلة التوحيد كمجلة الوحدة الإسلامية وغيرها التي تكرس معظم أبحاثها ونشراتها حول الوحدة الإسلامية.

- احتضان ودعم قيام تجمعات علمائية إسلامية تعمل لتكريس الوحدة والدعوة إليها، كما في تجمع العلماء المسلمين في لبنان.

- تكريس العديد من البرامج التلفزيوينية حول الوحدة الإسلامية والدعوة إليها.

وهناك العديد من الأمثلة في هذا المجال حيث لا يتسع الوقت للحديث عنها. رحم الله الإمام الخميني الذي أعاد لهذا الدين مجده وعزه في القرن العشرين، ونشر بذور الوعي لأهمية الوحدة بين المسلمين، ورفض التفرقة والتعصب بينهم، ووضع الآليات العملية لتكريس وتجسيد هذه الوحدة. جعلنا الله من السائرين على خطاه في تجسيد عملي لوحدة الأمة وعزتها. والحمد لله رب العالمين.


* من كتاب: الوحدة الإسلامية المرتكزات والنتائج - مركز الإمام الخميني الثقافي-بيروت-حارة حريك-شارع دكاش

2026-08-26