الإمام الرضا (عليه السلام) والمرجعيّة الفكريّة في عصر التحوّلات
في القرن الثاني الهجريّ الّذي عاش فيه الإمام عليّ بن موسى الرضا عليهما السلام اتّسعت الحركة العلميّة، ونشط البحث والتأليف والتدوين وتصنيف العلوم والمعارف، ونشأت المدارس والتيّارات الفلسفيّة والفكريّة، وبدأت حركة الترجمة والنقل من اللّغات المختلفة، وازدحمت المدارس وحلقات الدرس بالأساتذة والطلّاب الذين تناولوا مختلف العلوم. وقد ازدهرت هذه الحركة العلميّة بشكل خاصّ أيّام الرشيد والمأمون.
عدد الزوار: 30الإمام الرضا (عليه السلام) والمرجعيّة الفكريّة في عصر التحوّلات
في القرن الثاني الهجريّ الّذي عاش فيه الإمام عليّ بن موسى الرضا عليهما السلام اتّسعت الحركة العلميّة، ونشط البحث والتأليف والتدوين وتصنيف العلوم والمعارف، ونشأت المدارس والتيّارات الفلسفيّة والفكريّة، وبدأت حركة الترجمة والنقل من اللّغات المختلفة، وازدحمت المدارس وحلقات الدرس بالأساتذة والطلّاب الذين تناولوا مختلف العلوم. وقد ازدهرت هذه الحركة العلميّة بشكل خاصّ أيّام الرشيد والمأمون.
وقد ولد الإمام الرضا عليه السلام أيّام أبي جعفر المنصور, وعاصر من خلفاء بني العبّاس المهدي والهادي والرشيد والأمين والمأمون. وقد كانت هذه الفترة من أغنى فترات الفكر والثقافة الإسلاميّة، ففيها عاش مؤسّسو المذاهب الفقهيّة, أمثال الشافعيّ ومالك بن أنس وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة، وفقهاء وأصحاب آراء مختلفة أمثال أبي يوسف القاضي وسفيان الثوريّ ويحيى بن أكثم، وغيرهم من أصحاب العلوم والمعارف الشرعيّة والعقليّة، كالأصمعيّ ومحمّد بن الهذيل العلّاف المعتزليّ والنظّام إبراهيم المعتزليّ. ونشطت مذاهب الفلسفة وعلم الكلام.
وكان الإمام الرضا عليه السلام مفزع العلماء وملجأ أهل الفكر والمعرفة، يُناظر علماء التفسير ويحاور أهل الفلسفة والكلام ويردّ على الزنادقة والغلاة، ويُثبّت قواعد الشريعة وأصول التوحيد.
وساعدت السلطة العبّاسيّة على إيجاد الأفكار والتيّارات المنحرفة كادّعاء النبوّة، وأطلقت الحريّة للديانات المحرّفة، ولتيّارات الغلوّ والوقف رغبة منهم في إطفاء نور أهل البيت عليهم السلام .
ومن الأمثلة على ذلك انتشار الإفتاء بالرأي والفتاوى التابعة لأهواء الحكّام ورغباتهم، وتفسير القرآن بالرأي، ورواج القياس المذموم القائم على الظنون والأهواء، حتّى قام أحد الفقهاء المعروفين بتحليل وطء هارون لجارية كان قد وطأها أبوه من قبل، وقال له, يا أمير المؤمنين أو كلّما ادّعت أمَة شيئاً ينبغي أن تُصدّق؟ لا تصدّقها فإنّها ليست بمأمونة. وحلّل له وطء جارية قبل الاستبراء، وقال له: تهبها لبعض ولدك ثمّ تتزوّجها[1]. كما وأشغل الحكّامُ الناس بالجدال والنقاش العقيم، فشجّع هارون على القول بِقدَم القرآن، وقام بقتل من يقول خلاف ذلك، وحينما سئل عن رجل مقتول بين يديه أجاب: قتلته لأنّه قال, القرآن مخلوق[2]. وتغيّر الرأي في عهد ابنه عبد الله المأمون، فناقض والده في رأيه، وأشاع القول بخلق القرآن، وقام بسجن وتعذيب أحمد بن حنبل لقوله بِقِدَم القرآن.
المرجعيّة الفكريّة للإمام الرضا عليه السلام
شكّل الإمام الرضا عليه السلام في مقابل المحاولات العبّاسيّة مرجعيّةً فكريّة ودينيّة للأمّة. وأصبح محطّ أنظار الفقهاء، ومهوى أفئدة طلّاب العلم.
وكان عليه السلام يقول: "كنت أجلس في الروضة، والعلماء بالمدينة متوافرون، فإذا أعيى الواحد منهم عن مسألة أشاروا عليّ بأجمعهم، وبعثوا إليّ بالمسائل فأجبت عنها"[3].
وكشف عليه السلام وسائل التآمر الفكريّ الّتي تؤدّي إلى بلبلة عقول المسلمين، وأعطى قاعدة كلّية في الأساليب والممارسات الّتي يستخدمها أعداء أهل البيت عليهم السلام لتشويه المفاهيم الإسلاميّة، فقال عليه السلام : "إنّ مخالفينا وضعوا أخباراً في فضائلنا وجعلوها على ثلاثة أقسام:
أحدها: الغلوّ، وثانيها: التقصير في أمرنا، وثالثها: التصريح بمثالب أعدائنا. فإذا سمع الناس الغلوّ فينا كفّروا شيعتنا، ونسبوهم إلى القول بربوبيّتنا، وإذا سمعوا التقصير اعتقدوه فينا، وإذا سمعوا مثالب أعدائنا بأسمائهم, ثلبونا بأسمائنا"[4].
ولذا وضّح الإمام عليه السلام أنّ جميع الأفكار المنحرفة هي من وضع المخالفين لأهل البيت عليهم السلام لتشويه سمعتهم، وتحجيم دورهم في إصلاح الأوضاع على النهج الإسلاميّ الصحيح.
كما قام عليه السلام بخطوات عمليّة للردّ على جميع ألوان الانحراف الفكريّ والتشريعيّ من أجل كسر الإلفة والأنس بين أتباعها وبينها، وردّ على أفكار المشبِّهة والمجسِّمة والمجبِّرة والمفوِّضة، وفنّد أفكار الغلاة والزنادقة، وعقائد اليهود والنصارى، وردّ على أصحاب القياس، وعلى الإفتاء والتفسير بالرأي.
* من كتاب: بحوث في الحياة السياسية لأهل البيت عليهم السلام - جمعية المعارف الإسلامية الثقافية
[1] - تاريخ الخلفاء، م. س: 233.
[2] - تاريخ ابن كثير، البداية والنهاية، أبو الفداء، إسماعيل بن عمر بن درع القرشي، البصروي، الدمشقي: 10/215. دار الفكر، بيروت، 1398هـ ـ 1978م.
[3] - إعلام الورى بأعلام الهدى، م. س: 2/65.
[4] - التوحيد، م. س: 95.


