يتم التحميل...

الوليّ الفقيه ودوره في قيادة الأمّة

هذه الولاية التي أكّدها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في حياته، وأكّد على استمرارها من بعده في اثني عشر إماماً، دلّت الأحاديث المتعدّدة الصادرة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام على ثبوتها، كما ذكرنا سابقاً.

عدد الزوار: 9

الوليّ الفقيه ودوره في قيادة الأمّة

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾[1]، هذه الآية تبيّن أنّ الولاية الحقيقيّة هي لله سبحانه وتعالى.
 
هذه الولاية الإلهيّة تتجسّد بولاية النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والتي شرح القرآن الكريم معناها في قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾[2]. وكون النبيّ أولى بالمؤمن من نفسه معناه أنّه أولى به في جميع المسائل الحياتيّة، فهو أولى به في المسائل الاجتماعيّة والقضائيّة والحكوميّة وغيرها... وأنَّ إرادته ورأيه مقدَّمان على إرادة ورأي أيّ مؤمن.
 
هذه الولاية التي أكّدها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في حياته، وأكّد على استمرارها من بعده في اثني عشر إماماً، دلّت الأحاديث المتعدّدة الصادرة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام على ثبوتها، كما ذكرنا سابقاً.
 
وهكذا استمرّت الولاية في الأئمّة عليهم السلام حتّى كانت الغيبة الكبرى للإمام صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، فانتقلت الولاية إلى الفقيه، الذي شكَّلت ولايته امتداداً لولاية المعصوم، ليقوم بسدّ الفراغ السياسي والاجتماعي والقضائي والواقع...
 
ولاية الفقيه
وهكذا تكون ولاية الفقيه، التي نحن بصدد البحث عنها، هي نيابة الفقيه عن الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف في قيادة الأمّة، وإقامة حكم الله تعالى في الأرض، وهذه النيابة مستمدّة منه عجل الله تعالى فرجه الشريف، وهي جذوة من نوره، وشهاب من قبسه، وفرع من فروع دوحته، لذلك عُرِّفت "ولاية الفقيه" بأنّها "حاكميّة المجتهد الجامع للشرائط في عصر الغيبة" وذلك من خلال الصلاحيات الواسعة الممنوحة له من قبل الإمام المعصوم عليه السلام على مستوى البلاد والعباد.
 
"فللفقيه العادل جميع ما للرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام، ممّا يرجع إلى الحكومة والسياسة، ولا يعقل الفرق، لأنّ الوالي ـ أيّ شخص كان ـ هو مُجري أحكام الشريعة، والمقيم للحدود الإلهيّة، والآخذ للخراج وسائر الماليات، والتصرّف فيها بما هو صلاح المسلمين"!
 
الولاية لُطف
قاعدة اللطف، تعني أنّ الله أوجب على نفسه أن يصنع ما يقرّب العبد من الطاعة ويبعده عن المعصية، إنّ هذه القاعدة تعني بأنّ الله تبارك وتعالى، بعد أن أوجد الخلق في هذه الدنيا، وبمقتضى لطفه الشامل ورحمته الواسعة، لم يترك هذا الإنسان يتخبّط في غياهب الظلمات والغيّ، بل جعل له طريقاً يهتدي به، وسبيلاً يرشده إلى نور الحقّ والهداية، كي لا يسقط من المرتبة الإنسانية إلى المرتبة البهيمية.
 
وهذا يعني أن يجعل الله للناس أحكاماً لتنظيم أمور حياتهم ومعيشتهم، فينزّل عليهم الكتب والرسالات، ويجعل عليها قيّماً وولياً يتولّى نشرها وتطبيقها وتثبيتها، فيعمل على هداية الناس من خلالها، ويكون الضمانة لنجاة الإنسان من الغيّ والضلال.
 
فهذه القاعدة، ومن خلال ما تقدّم، يُستفاد منها لزوم بعث الأنبياء عليهم السلام، ووجوب تنصيب الأئمّة عليهم السلام في كلّ زمان، لما لذلك من أهمّية في تنظيم المجتمع ومنع الانحرافات، وبالتالي عدم اللجوء إلى أئمّة الكفر، والانقياد لهم، ما يؤدّي بالإنسان إلى الهاوية والشقاء.
 
وما الوليّ الفقيه في عصر الغيبة إلا مصداق لهذا القائد الذي يُراد منه حفظ الأمّة من الانحراف، والدين من الضياع.
 
ومن الجدير بالذكر أنَّ جميع الموارد التي شرّع فيها الدين ولايةً لبعض الناس على بعضهم، راعى فيها مصلحة المُولَّى عليه واللطف به، ورعاية حاله، ولم ينظر إلى مصلحة الوليّ، ولم يهدف من خلالها أن يمنحه امتيازاً.
 
فالولاية في نظر الإسلام مسؤوليّة وتكليف، كيفما كانت وحيثما وقعت. فولاية الأبّ مثلاً على أبنائه الصّغار، لحفظهم ورعايتهم واللّطف بهم. وولاية الأب في تزويج ابنته البكر، لصيانتها وحفظها من الضّياع والاستغلال. وولاية الوقف، لرعاية شؤونه ومصالحه والحيلولة دون خرابه وإساءة استعماله. وولاية الحاكم على أموال الغائب والقاصر والسّفيه والمجنون كذلك. وولاية الفقيه، لحفظ المصالح العامّة وصيانة المجتمع من الفساد والانحراف والحقوق من الضّياع.
 
وفي جميع الموارد تُقيّد الولاية برعاية مصالح الجهة المولّى عليها، وليس للوليّ الحقّ أن يتصرّف على وفق أهوائه ومصالحه ورغباته الخاصّة، حيث تسقط ولايته خارج تلك الحدود، ومنه يتبيّن أنّ الولاية الشرعيّة، أبعد ما تكون عن الاستبداد والتعنّت والدكتاتوريّة.
 
ولا يظن أحدٌ أنَّ فكرة ولاية الفقيه ابتدعها الإمام الخمينيّ قدس سره، لأنّه من خلال نظرة تأمليّة بسيطة نجد أنّ هذه الفكرة متأصّلة في الفكر الإسلاميّ ومتجذّرة في روايات أهل البيت عليهم السلام وكلمات العلماء، وقد رسم المعصومون الأطهار عليهم السلام معالم هذا السبيل وأبرزوا بعضاً من جوانبه، وهو الرجوع إلى من أعمل الفكر والنظر في الأحاديث الصادرة عنهم عليهم السلام، ويمكن رصد عددٍ من النصوص الواردة عنهم عليهم السلام التي تُرجِع إلى الفقيه السلطة والولاية، فبذور ولاية الفقيه موجودة في صريح أحاديثهم عليهم السلام.
 
* من كتاب: دروس تمهيدية في ولاية الفقيه - جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


[1] سورة المائدة، الآيتان 55 - 56.
[2] سورة الأحزاب، الآية 6.

2026-07-23