كيف نعيش القرآن؟
من الآداب المهمة حتى تحصل الاستفادة من القرآن الكريم، رفع موانع الاستفادة، ونحن نعبّر عنها بالحجب بين المستفيد والقرآن، وهذه الحجب كثيرة نشير إلى بعضها:
عدد الزوار: 12كيف نعيش القرآن؟
رفع الموانع والحجب:
من الآداب المهمة حتى تحصل الاستفادة من القرآن الكريم، رفع موانع الاستفادة، ونحن نعبّر عنها بالحجب بين المستفيد والقرآن، وهذه الحجب كثيرة نشير إلى بعضها:
1- حجاب رؤية النفس، بحيث يرى الإنسان المتعلم نفسه غير محتاج إلى الاستفادة من هذا الكتاب العظيم.
أو يرى استفادة منه ولكن في جهات لا تساعد على الهداية والسلوك إلى الله تعالى، كمن يقصر نظره إلى الجهات الفقهية أو الفلسفية أو البلاغية أو التجويدية أو غير ذلك مما لا مساس له بالمقصود الأصلي للقرآن الكريم وهو الهداية إلى الله جلّ وعلاّ، ويقنع بما هو عليه، ويختصر القرآن في الجهة التي هو فيها.
في حين أن القرآن أرشدنا إلى عدم القناعة بما نحن عليه، والإشارة إلى هذا المعنى كثيرة في القصص القرآنية، فموسى كليم الله، مع ماله من مقام عظيم ما اقتنع بذلك، وبمجرد أن لاقى شخصا كاملا كالخضر قال له بكل تواضع وخضوع: "هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً"[1].
2- ومن الحجب حجاب الآراء الفاسدة والمذاهب الباطلة، وأغلب هذا يوجد من التبعية والتقليد، مثلا إذا رسخ في قلوبنا اعتقاد بمجرّد الاستماع من الأب أو الأم أو من الجهلة، نبني على هذا الاعتقاد، ولا نبدّله ولو أتانا واضح البرهان.
3- ومن الحجب المانعة من الاستفادة من القرآن، الاعتقاد بأنه ليس لأحد حق الاستفادة من القرآن الشريف إلا ما كتبه المفسرون وما فهموه...
4- حجاب المعاصي والكدورات الحاصلة من الذنوب.
5- حب الدنيا، فيصرف القلب بواسطة تمام همتّه في الدنيا وحب الجاه والشرف.
التفكر:
من الآداب المهمة لقراءة القرآن التفكر، وقد كثرت الدعوة إلى التفكر في القرآن الشريف.
قال تعالى: "وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ"[2].
وقال تعالى: "فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ"[3].
إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.
والروايات أيضاً في التفكر كثيرة، فقد نقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما نزلت الآية الشريفة: "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لاَيَاتٍ..."[4].
قال صلى الله عليه وآله وسلم: "ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها".
التطبيق:
ومن الآداب المهمة لقراءة القرآن التي تنيل الإنسان نتائج كثيرة والاستفادات غير المعدودة هو التطبيق.
فمن أراد أن يأخذ من القرآن الشريف الحظ الوافر فلا بد له أن يطبّق كل آية شريفة على حالات نفسه حتى يستفيد استفادة كاملة، مثلا يقول تعالى: "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ"[5].
فلا بد للسالك أن يلاحظ هذه الأوصاف الثلاثة منطبقة عليه، وهل قلبه يجل إذا ذكر الله ويخاف؟ وإذا تليت عليه الآيات الشريفة هل يزداد إيماناً في قلبه؟ وهل اعتماده وتوكله على الله تعالى؟ أو أنه محروم من ذلك.
فإذا كان محروما فليسع لتحصيل هذه الصفات، وهكذا كل آية يمر عليها يطبّقها خارجاً، فالقرآن كتاب تطبيق، لا كتاب ترتيل فحسب.
فكما أن خلق الرسول كان القرآن، فينبغي عليك أن يكون خلقك القرآن.
مهجورية القرآن الكريم:
يقول تعالى: "وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً"[6].
إن مهجورية القرآن لها مراتب، ولعلنا متصفين بالعمدة منها، أترى أننا إذا جلّدنا القرآن العظيم جلدا نظيفا وقيّما أو إذا قرأناه أو استخرنا به وقبّلناه ووضعناه على أعيننا، لا نكون هاجرين له؟ أترى إذا صرفنا غالب عمرنا في تجويده والاهتمام في جهاته اللغوية والبيانية والبديعية، ما اتخذناه مهجورا؟ هل أننا إذا تعلمنا القراءات المختلفة، ما اتخذناه مهجوراً؟
إن عمدة هجر القرآن هو عدم تطبيقه في حياتنا الخاصة والعامة، ونحن للأسف قد نكون متصفين بهذه المرتبة من الهجر، حيث لا نأخذ تعاليم القرآن في حسابنا!.
* من كتاب: دروس من الآداب المعنوية للصلاة - جمعية المعارف الإسلامية الثقافية
[1] - الكهف: 66.
[2] - النحل: 44.
[3] - الأعراف: 176.
[4] - آل عمران: 190.
[5] - الأنفال: 2.
[6] - الفرقان: 30.


