يتم التحميل...

متى تُقبل توبتنا إلى الله عز وجل؟

لقد دعانا الله إلى التوبة جميعا من ذنوبنا، ووعدنا بأن يقبل توبتنا ـ مع تحقق شروطها ـ ووعدُ الله حق ولا يخلف الله ما وعد به عباده حيث قال: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)

عدد الزوار: 12

متى تُقبل توبتنا إلى الله عز وجل؟

لقد دعانا الله إلى التوبة جميعا من ذنوبنا، ووعدنا بأن يقبل توبتنا ـ مع تحقق شروطها ـ ووعدُ الله حق ولا يخلف الله ما وعد به عباده حيث قال: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[1] وكذلك حثنا الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم عليها كما روي عنها: "توبوا إلى الله فإني أتوب إلى الله في كل يوم مئة مرة"[2] وهذا تعليم من النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لنا أن نكون في حالة التوبة إلى الله دائما وحتى لو لم نرتكب الذنوب، فإن الإنسان مهما علا شأنه يظلّ مقصرا أمام ربّه عن أداء شكر النعم التي أنعم بها عليه، فليستغفرِ الله عن التقصير في أداء شكرها راجيا منه العون والتوفيق ...
 
لا تؤخر التوبة
 
إن التسويف بالتوبة عمل لا يصب في مصلحة الإنسان المؤمن لأن الإنسان لا يدري متى تسقط ورقته، وينقضي أجله ولا يضمن أن يخرج الزفير بعد الشهيق حين تنفسه، فكيف تطاوعه نفسه أن يؤخر التوبة والحال هذه فلا بد من الإسراع إلى التوبة في أقرب الفرص حتى لا يدركه الموت وهو على معصية الله جل جلاله، فعن الإمام علي عليه السلام: "مسوّف نفسه بالتوبة، من هجوم الأجل على أعظم خطر"[3]، والمسوف هو من تقول له نفسه دعك من الأمر الآن وسوف تتوب غداً.
 
وعنه عليه السلام في حديث آخر: "لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير العمل، ويرجئ[4] التوبة بطول الأمل"[5].
 
متى تُقبل التوبة؟
 
تقدم معنا أن الله قد وعد عباده بقبول توبتهم وقد أكدت الآيات الكثيرة على هذا المعنى وعلى هذا الوعد كما في قوله تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)[6].
 
ولكن ليس كل من طلب التوبة لا بد وأن يقبلها منه الله تعالى، فهناك موارد لا يقبل الله تعالى التوبة فيها، فالإنسان الذي يفعل الذنب ويقدم على معصية الله نتيجة جهله ووقوعه أمام وساوس الشيطان ثم بعد ذلك يلتفت إلى نفسه وأنه قد وقع في الخطأ الجسيم فيقدم على التوبة بصفاء روح وإخلاص نية، مثل هذا الشخص تقبل توبته، ولكن هنالك أشخاص يتجرؤون على الله ليل نهار ولا يراعون لأحد من حرمة ويستمرون على هذا المنهج طوال حياتهم ثم عندما تنزل بهم نازلة الموت تراهم يقولون تبنا إلى الله كما فعل فرعون عندما عاين الموت والغرق فهؤلاء لا تقبل توبتهم، قال سبحانه وتعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً " وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)[7].
 
وهناك نموذج آخر لا تقبل منه التوبة بحال وهو المنكر الجاحد للدين، والكافر بالله بعد أن عرف الإيمان بعقله وأدرك أنه الحق من الله ثم أنكره وكفر به فهذا الصنف من الناس لا تقبل منه التوبة كما تخبرنا الآية الكريمة: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُم)[8].
 
شرائط التوبة
 
لا تقع التوبة من العبد عن الذنب بمجرد الاستغفار ولقلقة اللسان وإلا فكل الناس تلجأ إلى المعاصي ليل نهار ثم تقول عقب كل ذنب أستغفر الله وأتوب إليه وتنتهي المسألة، وحينئذ تنعدم الفائدة من التشريع، ويصبح الإسلام نموذجاً فاشلاً عن تحقيق السعادة للإنسان، بل لا بد لقبول التوبة من شروط قد اختصرها الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام حينما سمع رجلا يقول أستغفر الله فقال له: "ثكلتك أمك أو هكذا الاستغفار؟ إن الاستغفار درجة العليين وهو اسم واقع على ستة معان:
 
أولها الندم على ما مضى.
والثاني العزم على ترك العود إليه أبداً.
والثالث أن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله سبحانه أملس ليس عليك تبعة.
الرابع أن تعمد إلى كل فريضة عليك ضيعتها فتؤدي حقها.
الخامس أن تعمد إلى اللحم الذي تنبّت على السحت فتذيبه بالأحزان حتى يلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد.
السادس أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية"[9].
  
* من كتاب: زاد الصامدين - جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


[1] - سورة النور: 31.
[2] - ميزان الحكمة، الحديث 2131.
[3] - مستدرك الوسائل، ج21، ص 130.
[4] -  يرجئ: بمعنى يؤجل ويؤخر.
[5] -بحار الأنوار، ج6، ص37.
[6] - التوبة: 104.
[7] - النساء: 17 ـ 18.
[8] - آل عمران: 90.
[9] - الكافي، ج 2، ص 431.

2026-07-13