نفحات من معاني الصلاة في كلام الإمام الخامنئي (قدس سره)
فصلاة بلا ذكر ولا حضور، هي بدن بلا روح، وإن كان إطلاق لفظ الصلاة عليها ليس على سبيل المجاز؛ إلّا أنّه لا يترتّب عليه أثر الصلاة وخاصيّتها.
عدد الزوار: 59نفحات من معاني الصلاة في كلام الإمام الخامنئي (قدس سره)
صلاةٌ بلا حضورٍ بدنٌ بلا روح.
فصلاة بلا ذكر ولا حضور، هي بدن بلا روح، وإن كان إطلاق لفظ الصلاة عليها ليس على سبيل المجاز؛ إلّا أنّه لا يترتّب عليه أثر الصلاة وخاصيّتها.
وقد ورد في الآثار الدينية حديثٌ عن هذه الحقيقة بعنوان "قبول الصلاة" وهكذا، ورد أنّه "ليس لك من صلاتك إلّا ما أقبلت عليه".
إنّ هذه الصلاة موهبةٌ ليس لها بديل ومنبع فيض لا يزول، حيث نصنع بها الإنسان الصالح من أنفسنا أوّلاً ومن نحبّ ثانياً، وهي بوابة مفتوحة إلى ساحة واسعة يسودها الصفاء، وإنّها لحسرة أن يقضي الإنسان عمره بجوار هذه الجنّة ولا يزورها ولا يدعو أحبّاءه إليها، فقد أبلغ الوحي النبيّ العظيم صلى الله عليه وآله وسلم "وأمُر أهلك بالصلاة واصطبر عليها".
واليوم، اعتبروا هذا الخطاب موجّهاً إليكم، واعرفوا قدر الصلاة، وهذه الحقيقة المقدّسة والدرّ الساطع التي هي هبة إلهيّة لأمّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم. ولكلّ منكم سهمه الخاصّ إزاء هذه الوظيفة[1]:
الصلاة جنّة
الصلاة الزاخرة بالخشوع وحضور القلب أوّل ما تخلق في قلب المصلّي جنّة حقيقيّة يسري مداها تدريجيّاً إلى أجواء الحياة، وتهب المرء الصلاح والفلاح. وانطلاقا من هذه الرؤية، أضحت الصلاة في كلّ الأديان الإلهيّة من أكثر آداب التديّن أصالة، ومن أبرز علامات الإيمان وأوضحها وأشملها، والصلاة الإسلاميّة هي أكمل الصلوات وأجملها.
إحدى بركات الثورة الإسلاميّة في السنوات الأخيرة, أنها أيقظت الأفئدة الطافحة بالشوق والاندفاع إلى أهميّة فريضة الصلاة وعلوّ منزلتها، وركّزت جهودها اليوميّة الحثيثة على إشاعة هذا الركن.
وفي الوقت الحاضر، تُبذل في كلّ سنة جهود صادقة لفتح الطريق النيّر للصلاة أمام الجميع، من أجل أن يحظى المصلّون بنصيبٍ وافرٍ لإقامة صلاةٍ مليئة بالذكر والانتباه.
وتحتلّ أنواع النشاطات الثقافيّة والفنيّة والتحقيقيّة والتنفيذيّة موقعها في السرد الطويل لهذه الجهود. وأرى لزاماً عليَّ أن أتقدّم بالشكر لكلّ هؤلاء العاملين المؤمنين، بمن فيهم المسؤولون الحكوميّون الكبار، وعلماء الدين الموقَّرون، والشخصيّات العلميّة والثقافيّة والفنيّة، والشباب الغيارى، والنساء والرجال المؤمنون، وشتّى القطاعات الاجتماعيّة، وأخصّ بالذكر العالم الواعي المخلص سماحة حجة الإسلام قراءتي الذي جنّد لهذه المهمة طاقات هائلة[2].
نبع فوّار
إنّ الصلاةَ تمثّل النبعَ الفوّار الذي يفيض بكلّ هذه وغيرها من الفيوضات الكثيرة على قلب المصلّي وروحه وتصنع منه إنساناً نقيّاً, ثابت القدم, راجياً, صاحبَ يقين.
وما جاء في القرآن بأنّ "الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر"[3] وَوُصِفَتْ على لسان النبيّ الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم بأنّها "معراج المؤمن وقربان كلّ تقيّ"[4]، وفي كلمة واحدة، "أنّها عمود الدين"، ووصفها الرسول بأنّها "قرّة عيني"، يجب أن يحثّنا على التأمّل والتعمّق أكثر في فهم عظمة الصلاة.
طبعاً، يجدر بنا أنّ نعلم أنّ الصلاة لا تعني التفوّه ببعض الكلمات وأداء بعض الحركات، فلا تترتّب كلّ هذه الفيوضات والبركات على إيجاد أمواج صوتية وأعمال بدنيّة دون أن تبعث في هذا البدن روح الذكر والتوجّه؛ وإن كانت - على الأقل - مسقطة للتكليف الشرعيّ. فروح الصلاة هي ذكر الله والخشوع والحضور أمامه، وهذه الكلمات والأفعال التي فرضت على المكلّف بالتعليم الإلهيّ، هي أفضل قالب لتلك الروح، وأقرب الطرق لذلك المنزل المقصود[5].
مبعث المعنويّات في زمن الآلة
الصلاة هي التي تبثّ في روح الإنسان دواعي الإيثار والصفح والتوكّل والتعبّد، باعتبارها السند الحتميّ للواجبات الخطيرة والمهامّ الخطيرة والصعبة، كالجهاد والنهي عن المنكر والزكاة، وتدفعه لتقحّم تلك الميادين بكلّ بسالة.
عندما يقع هجوم من الأعداء تبرز أهميّة فريضة الجهاد، أو حينما تواجه بعض الشرائح الاجتماعية ضغوطاً في المعيشة تصبح فريضة الزكاة والإنفاق شاملة للجميع، أو بمقتضى محاولات الأعداء ومساعيهم في ميادين الثقافة والأخلاق تتّخذ فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صيغة شموليّة، في كلّ هذه الظروف ليس فقط أنّ الصلاة لا يقلّ شأنها عن كونها (خير العمل) ولا تهبط من هذه المرتبة بل تزداد أهمّيّةً، لما تضفيه من دعم روحيّ ومعنويّ لجميع ألوان الجهاد والإيثار وتقحّم المخاطر.
واليوم, ومع هيمنة النظم الآليّة (الحياة الآليّة) على المجتمعات البشريّة كافّة, يرزح الإنسان والإنسانيّة تحت وطأتها. حتّى أصبح كلّ واحدٍ من بني الإنسان يرى نفسه مرغماً على برمجة نمط حياته الفرديّة والاجتماعيّة مع الإيقاع الثقيل والمملّ للماكينة والحياة الآليّة. ومن الطبيعيّ أنّ سجايا الرأفة والمروءة والصفح والإيثار والكثير من القيم الأخلاقيّة الأخرى تصبح ضعيفة التأثير في خضمّ صَخَبِ هذا الإيقاع وتغدو باهتةً لا روح فيها. وفي ظلّ مثل هذه الأوضاع، تُهدم الأسرة وتُسحق أخلاق الحياة الأسرية الممزوجة بعلاقات الإلفة والمحبّة فيها. وقبل عشرات السنين, استشعر معالم هذا الخطر وحذَّر منه, الحريصون وذوو النظرة الثاقبة حتى في قلب الحضارة الصناعيّة والآليّة، ولكن ممّا يؤسف له، أنّ ملايين الناس، وخاصّة الشباب أصحاب المشاعر الرقيقة والروحيّة الأكثر عرضة للضرر، لا زالوا في هذا البلاء الكبير مجرّدين من أي وسيلة للدفاع والعلاج.
وإنّ الحاجة إلى الارتباط المعنويّ بالربّ الرحيم والكريم، بالنسبة إلى جميع بني الإنسان من هذه الجهة، لهي اليوم, أكثر أهميّة وجدّية من أي وقت مضى, وتبرز الصلاة هنا كأفضل أداة وأجداها لتأمين هذه الحاجة. البشريّة اليوم أكثر حاجةً من أي وقتٍ مضى إلى الصلاة الخالصة والكاملة[6].
باب التوفيق
يجب فهم أهميّة الصلاة بشكل صحيح. حين يتفضّل المعصوم بالقول: إنّ الصلاة لله, إذا قُبِلت قُبِل ما سواها من الخدمات والجهود، وإذا ردّت ردّ ما سواها، فهذا كلامٌ يعرض أمامنا حقيقة كبيرة. وتلك الحقيقة هي أنّ الصلاة إذا وضعت في موضعها المناسب في المجتمع الإسلاميّ فسوف تفتح كلّ الجهود المادّية والمعنوية البنّاءة طريقها نحو الأهداف والمبادئ، وتوصل المجتمع إلى المحطة المثاليّة المطلوبة في الإسلام. وإذا كانت هناك غفلة عن أهمّيّة الصلاة, وجرى عدم الاكتراث لها فسوف لن يطوى هذا الطريق بشكل صحيح، ولن تترك الجهود والمساعي تأثيرها اللّازم في الإيصال إلى القمّة التي رسمها الإسلام للمجتمع الإنسانيّ[7].
* من كتاب: من أعماق الصلاة – الإمام الخامنئي دام ظلّه - جمعية المعارف الإسلامية الثقافية
[1] رسالة الإمام الخامنئي إلى المؤتمر السنوي الثالث للصلاة 1414هـ.
[2] رسالة الإمام الخامنئي إلى المؤتمر السنوي الثامن للصلاة 1419هـ.
[3] العنكبوت 456.
[4] الكافي ج3، ص265.
[5] رسالة الإمام الخامنئي إلى المؤتمر السنوي الثالث للصلاة 1414هـ.
[6] رسالة الإمام الخامنئي إلى المؤتمر السنوي السابع للصلاة 1418هـ.
[7] رسالة الإمام الخامنئي إلى المؤتمر السنوي الحادي والعشرين للصلاة 1434هـ.


