لوازم إدراك القرآن في كلام الإمام الخامنئي (قدس سره)
الخطوة الأولى، التعرّف على ألفاظ وظواهر القرآن، إلّا أنّها خطوة لازمة. وإذا لم يخطُ الباحثون الدينيّون والقرآنيّون هذه الخطوة، أصبحت الخطوات اللاحقة صعبة وغير ممكنة. تشاهدون اليوم بعض الأشخاص يتحدّثون هنا وهناك حول الإسلام، ويدّعون أمورًا لا علاقة لها بالإسلام، لماذا؟ لأنّهم غير عارفين بمعارف نصوص القرآن والسنة.
عدد الزوار: 10لوازم إدراك القرآن في كلام الإمام الخامنئي (قدس سره)
الخطوة الأولى، التعرّف على ألفاظ وظواهر القرآن، إلّا أنّها خطوة لازمة. وإذا لم يخطُ الباحثون الدينيّون والقرآنيّون هذه الخطوة، أصبحت الخطوات اللاحقة صعبة وغير ممكنة. تشاهدون اليوم بعض الأشخاص يتحدّثون هنا وهناك حول الإسلام، ويدّعون أمورًا لا علاقة لها بالإسلام، لماذا؟ لأنّهم غير عارفين بمعارف نصوص القرآن والسنة.
ينبغي على الإنسان أن يتعرّف على نصوص القرآن والسنّة - أي الحديث النبوي صلى الله عليه وآله وسلم وحديث الأئمة عليهم السلام - ليتمكّن من فهم المعارف الدينيّة، وخاصّةً إذا أراد الغور في أعماقه. إذًا، هذه الخطوة، هي الخطوة الأولى والضروريّة في الوقت عينه.
طبعًا ينبغي بعد ذلك، التفكير، جمع معطيات واسعة، والاستفادة من تلك المعلومات لإدراك معارف القرآن والحديث. فكلّما ازدادت معلومات الإنسان، اتّضح فهمه للقرآن والحديث. والتجارب هكذا أيضًا. فكلّما كانت تجربة الإنسان في الحياة أكبر، ازدادت معرفته بالقرآن وتصبح مسائل القرآن أكثر وضوحًا بالنسبة إليه[1].
عندما يدخل القرآن إلى المجتمع، يتمّ تذوّق عذوبته. للقرآن اليوم (نحو) سيادة في بلدنا، الخطوة الأولى، تعلّم نصّ القرآن، وهذا يجب أن يزداد يومًا بعد يوم. إذا أردنا جميعنا تعلّمَ القرآن، يجب أن يكون هناك مجموعة في الصدارة - كما في باقي الأمور الأخرى ـ وهكذا إذا أردتم أن تصبح الرياضة عامّة، يجب أن يكون هناك مجموعة من الأبطال ماثلة أمام أعين الناس.
إذا أردتم أن يروّج القرآن في البيوت، وبين الأطفال، والكبار والنساء والرجال، يجب أن تحترموا الأبطال القرآنيّين. لهذا نحن نحترمهم (أي قارئي القرآن). هؤلاء حاملو القرآن، هؤلاء أعزّاء، لسانهم عزيز، قلوبهم وأفئدتهم عزيزة، لأنّهم استأنسوا بالقرآن. أرواحنا فداءً للقرآن![2].
لو كان بيانُ القرآن غير فنيّ، فمن غير الممكن أن يتضمّن كافّة هذه الحقائق والمفاهيم العالية. وعليه، لن يكون بإمكان أيِّ تفسير أو ترجمة قرآنيّة إفهام (تعليم) الحقائق القرآنيّة. يجب أن يكون الإنسان عارفًا باللغة وبكافّة الدقائق الفنيّة، وأن يتمكّن من العيش في الفضاء المعنوي للقرآن ليفهم ماذا يقول. لذلك يشير القرآن الكريم نفسه: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء﴾[3]. يقرأ البعض القرآن فيهتدي، والبعض الأخر يَضِلُّ من خلال قراءته، بسبب عدم الإدراك والفهم الصحيحَين. فهؤلاء - لأنّهم لم يستطيعوا إحكام علاقة ورابطة بالقرآن- لم يتّصلوا به حتّى يصبحَ لديهم القدرة على إدراك المفاهيم. طبعًا بيان القرآن، وافٍ، إلّا أنّه يتطلّب شروطًا خاصّة ليكونَ الإنسان مخاطَبًا من القرآن بالمعنى الحقيقي للكلمة. والغرض أنّ سِعة البيان الفنيّ وقابليّته هي فقط القادرة على بيان الكثير من المفاهيم، ومنها المفاهيم الدينيّة المتعالية. وبواسطة الفنّ فقط يمكن درك هذه المفاهيم[4].
وإنّ التدبّر، في الأساس، ليس لأجل التفسير، بل هو لأجل فهم المراد. ويمكن للإنسان أن يمتلك نوعين من الفهم والتلقّي لأيّ كلام حكيم: الأوّل سطحي وبسيط، والثاني دقيق وعميق. هذا لا يصل في الأساس إلى مرحلة التفسير والتعبير. التدبّر المطلوب في القرآن، هو الابتعاد عن الرؤية السطحية فيه، وهذا يعني أنّه عندما تقرؤون كلّ آية قرآنيّة، فيجب أن يكون بتأمّل وتعمّق وتتبّع للفهم. هذا هو التدبّر، وسترون أنّه ومن دون حاجة لأن (يعرض) الإنسان سلائقه على القرآن - أي التفسير بالرأي - أنّه سيفتح أبوابًا من المعرفة حسب مضمون الآية، مهما كان مضمونها.
يقول القرآن الكريم: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾[5]. القرآن صادر من المقام الأعلى، من قمة معرفة عالم الوجود. لهذا، يجب على الإنسان أن يتأمّل، وحيث إنّ عمق هذه الآيات والمفاهيم كبير جدًا، فكلّ من يتأمّل، سيستفيد منه، ومن جملتهم الرسول. وإذا تأمّل النبيّ - طبعًا الرسول والأئمّة كانوا يقرؤون القرآن دائمًا بتأمّل وتدبّر - فسيستفيد من القرآن[6].
كأنّ بعض الآيات الإلهيّة الكريمة وطوال قرون متمادية، إمّا أنّها لم تُفَسّر بالمعنى الواقعي أو أنّها لم تفهم من قِبَلنا ومن قِبَل الأجيال البشريّة العاديّة. لقد أصبح لهذه الآيات معنىً في مرحلة ثورتنا وطوال عشرة أو إحدى عشرة سنة مليئة بالأحداث والوقائع، وهذا هو الحقّ. فالأحداث والظروف الخاصّة هي التي يمكنها أن تقدّم معنىً صحيحًا للحقائق الإلهيّة التي هي في قالب الألفاظ. فعلى سبيل المثال، لا يمكن فهم الآيات التي نزلت في حرب أُحد، بشكل صحيح، في ظلّ حياة مرفّهة ملؤها الراحة. والآيات التي نزلت في غربة النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأصحاب ذاك العظيم في شُعَب أبي طالب أو في طريق مكة، لا يمكن إدراكها في ظلّ الظروف الحياتيّة الحاليّة، في المنزل والسوق وفي البيئة العائليّة التي يبرز فيها الأُنس، بل يحتاج ذلك إلى شيء آخر. يلزم وجود ظروف خاصّة بحيث يمكنها تقديم معنىً للكثير من الآيات، وإذا أردنا تقديم رؤية صحيحة، يجب أن نقول إنّ مجموعة الآيات الإلهيّة مع تفاسير (روايات) الأئمّة المعصومين عليهم السلام التي نزلت في أجواء الثورة ومرحلة البعثة والهجرة والجهاد والشهادة، التي هي مرحلة العمل والسعي والحركة، حيث يمكن فهمها أكثر من أيّ مرحلة تاريخيّة، أو أنّها قابلة للفهم[7].
* من كتاب: الشخصية القياديّة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلّم في فكر الإمام الخامنئي دام ظلّه - جمعية المعارف الإسلامية الثقافية
[1] من كلام له في لقاء قارئي القرآن (28/6/1380).
[2] من كلام له في المراسم الختامية للدورة الخامسة عشر لمسابقات القرآن (1/9/1977).
[3] سورة النحل، الآية 93.
[4] من كلام له في لقاء الفنانّين والسينمائيين (3/11/1373)(23/1/1995).
[5] سورة المزمل، الآية 4.
[6] في حوار مع مجموعة من النساء النخبة (18/7/1377).
* الإمام الخميني، شرح حديث جنود العقل والجهل، ص 105: وبعد تحصيل الإخلاص إجمالًا يمكن التطرق إلى الحقيقة ـ كما في القرآن الشريف في السورة المباركة "الصافات" في الآيتين 159 و 160 حيث يقول تعالى: "سبحان الله عما يصفون إلّا عباد الله المخلصين" فإلّا العباد المخلصين الذين خلصوا من مراتب الشرك وازدواج الرؤية، وخلصوا من قذارات الطبيعة. فالله منزّه عما يصفه به سائر الناس، وإن كان المخلَصون (بفتح اللام) أرفع مقامًا من المخلِص (بكسر اللام) وسنبيّنه إن شاء الله في محله... فإذا أخلى قلبه من القذارات يتهيأ لذكر الله وقراءة كتابه، وما دامت القذارات وأوساخ عالم الطبيعة في قلبه فلن تتيسر له الاستفادة من الذكر والقرآن الشريف، كما أشير إلى ذلك في الكتاب الإلهي في السورة المباركة الواقعة الآيات 77 ـ 79، ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾.
[7] من كلام له في لقاء المحررين (26/6/1399).
* الإمام الخميني، طريق العشق، ص 27: إنّ مجرّد قراءة القرآن ـ الذي هو رسالة المحبوب إلى المستمع المحجوب ـ له آثار مقبولة، إلّا أنّ التوجّه فيه، يهدي الإنسان إلى المقامات، الأعلى والأرقى. فما لم يفتح هذا القفل ولم يجري تحطيمه، فلن يكون هناك من نتيجة حتّى من التدبّر.


