يتم التحميل...

نهج الإمام الخميني (قدس سره) في كلام الإمام الخامنئي (قدس سره)

يبدو أنّ هناك عددًا من المُصطلحات استخدمها الإمام الخامنئيّ قدس سره في بياناتِه وخطبه ورسائله. وفي الجملة، فإنّ جميع ما قاله يدلّ على مفهوم واحدٍ لا غير، فمُصطلحات من قَبيل "نهج الإمام" و"طريق الإمام" "ومَنهج الإمام" و"مدرسة الإمام"، كلُّها تدلّ على موضوع واحد حاضرٍ في ذهن الجميع، ألا وهو "خطّ الإسلام والثّورة"،

عدد الزوار: 32

نهج الإمام الخميني (قدس سره) في كلام الإمام الخامنئي (قدس سره)

أوّلًا: ما هو نهج الإمام؟
يبدو أنّ هناك عددًا من المُصطلحات استخدمها الإمام الخامنئيّ قدس سره في بياناتِه وخطبه ورسائله. وفي الجملة، فإنّ جميع ما قاله يدلّ على مفهوم واحدٍ لا غير، فمُصطلحات من قَبيل "نهج الإمام" و"طريق الإمام" "ومَنهج الإمام" و"مدرسة الإمام"، كلُّها تدلّ على موضوع واحد حاضرٍ في ذهن الجميع، ألا وهو "خطّ الإسلام والثّورة"، وهو وإن كان مفهومًا عامًّا، كما يُشير إلى ذلك الإمام الخامنئيّ قدس سره إذ يقول: "ولكن ما هو نهج الإمام ونهجُهُ الّذي يتكرّر ذِكْرُه؟ إذا قُلنا: إنّ نهج الإمام هو الإسلام والثّورة، فهذا الموضوع يُعتبر طرحًا عامًّا"[1]، إلّا أنّه -حفظه الله- يَستدرك في هذا التّعميم، أنّ هذا التّحديد العامّ إنْ أضَفْنا إليه الخصائص الذاتيّة للإمام الخمينيّ وسلوكه العمليّ، والّتي يدعوها الإمام الخامنئيّ قدس سره بـ"معايير نهج الإمام" و"معالم نهج الإمام" وغير ذلك من المصطلحات المُشابهة، فإنَّ المُتحصّل لدينا سيكون هَيكلًا متكاملًا من الأوصاف الّتي تُعرِّفنا إلى "نهج الإمام".
 
يقول الإمام الخامنئيّ قدس سره: "من الواضح أنّ نهج الإمام هو خطّ الثّورة والإسلام، وما من شخص لديه اعتراض على الإسلام والثّورة، والشّيء القادر على تحقيق تطلُّعات هذا الرّجل الفذّ الّذي يُعَدُّ أبًا لهذه الثّورة، وبانِيًا لإيران الإسلاميّة، هي الاستقامة الّتي أبداها هذا الرّجل العظيم بسلوكِه، ولم يتنازل أمام الأعداء ولم يَرهَبْهم، ولم يتزعزع أمام التّهديدات، وليس بوسع أحدٍ اتّهام الإمام بأنَّ ما فعله كان خلافًا للتّدبير السّليم قطّ، فلو أنّ جميع عُقلاء العالم دقّقوا وحلّلوا لأدركوا أنّ السّبيل الصّحيح هو السّبيل الّذي سلكَهُ ذلك الرّجل، وهو السّبيل المؤدّي إلى أهدافه. وكلّ من له هذا الهدف فطريقُهُ هو الطّريق نفسه الّذي سار عليه هذا الشّخص العظيم"[2].
 
فما هو هذا الطّريق؟ وما هي خريطتُهُ؟ وما هي معالِمُهُ؟
 
ثانياً: التمسُّك بـ"خريطة الإمام"
لكلّ طريقٍ علامات وإشارات توضِّح الوجهات والهدف، واتّباعها يؤْمِن الإنسان من الضّياع والتّيه، خصوصًا عندما يكون لديه من الخصومِ الأذكياء الّذين لا يمكن أن تأْمَن لهم، وذلك لِوَضعِهم لافتاتٍ مزوّرة، وحفرهِم الحُفَر، ووضعِهم المكائد، كي لا يصل الإنسان إلى هدفه.
 
الطّريق الّذي يَهمُّنا، هو الطّريق الذي أثبتت التّجارب جدواه وفعاليّتها وأصالته.
يتحدّث الإمام الخامنئيّ قدس سره عن الطّريق الّذي ينبغي أن تسلُكهُ الأمّة الإسلاميّة في هذا الوجود، كي تحقّق الأهداف الإلهيّة من كينونة الإنسان على هذه الأرض، فيقول: "ما هي خريطة الطّريق؟ خريطة طريقنا هي أصول إمامِنا العظيم. تلك الأصول الّتي تمكَّن الإمام بالاستناد إليها، من تحويل الأمّة المُتخلّفة والذّليلة إلى أمّةٍ متطوّرةٍ وشامخة، هذه الأصول الّتي ستُعينُنا على متابعة المسير، وتشكّل لنا خريطة الطّريق"[3]. وهل هذه الخريطة واضحة المعالِم ويمكن الوصول إليها؟ يقول الإمام الخامنئيّ قدس سره: "أصول الإمام، أصولٌ واضحة. ولحُسن الحظّ، فإنّ خطابات الإمام وكتابات الإمام، المؤلّفة من 20 مجلّدًا تقريبًا، هي في متناول النّاس، ونجد خُلاصتها في وصيّته الخالدة، ويمكن للجميع الرُّجوع إليها. فليس من الجيّد أن نتمسّك باسم الإمام وننسى أُصولَه، هذا خطأ. ولا يكفي التمسُّك باسم الإمام وذِكْرِ الإمام وحسب، فالإمام خالدٌ بأصوله، بأفكاره وبخريطةِ طريقه للأُمّة. خريطة الطّريق هي بِيَدِ الإمام وقد عرضها علينا. كما أنّ أصول الإمام واضحة"[4].
 
معرفة خريطة الإمام
استخدم الإمام الخامنئيّ قدس سره تعبير "المِعْمار" في توصيفه للجُّهد الهائل الّذي بذله الإمام الخمينيّ قدس سره في بناء هذه الثّورة الضّخمة، وذلك التحوُّل التّاريخيّ في تاريخ الإسلام السّياسيّ بعد قرونٍ مديدةٍ من الانهيار الكبير، والتَّداعي الّذي حصل في بناء الأُمّة الإسلاميّة. لقد احتاجَ النُّهوض مجددًا من تحت الرُّكام، إلى مِعْمارٍ ماهرٍ وأصيلٍ، وذكيٍّ جدًّا، ويملك القدرة على المواجهة باستقامةٍ وثبات. ولكي يبقى ما بناه هذا المِعمار العظيم قائمًا ومستمرًّا، فإنّ من الواجب علينا أن نعرف هذه الخريطة الهندسيّة لهذا المِعْمار بشكلٍ صحيح.
 
معرفة خريطة المِعْمار
يقول الإمام الخامنئيّ قدس سره: "إذا ما أردنا أن نسير ونتقدّم بشكلٍ صحيح، يجب علينا أن نعرف خريطة المِعْمار. إذا كان البحث يدور حول بناءٍ عاديّ كالمُتعارف بين النّاس، إن لم تكن الخريطة في متناول اليد ولم يُعلَم التّصميم الأصليّ، فإنّ البنّائين، ومهما كانوا مُحترِفين ومُتخصّصين، من الممكن أن يشتبهوا ويبنوا بشكلٍ خاطئ. يجب التعرّف إلى الخريطة الأساسيّة للاستفادة من فنّ البناء والإحياء"[5].
 
معرفة خصوصيّة الخريطة
إنّ خصوصيّة خريطة الإمام الخمينيّ قدس سره هي الّتي تعطي لهذا العمل أهمّيّة مُضاعفة، يُتابع الإمام الخامنئيّ قدس سره: "إنّ الخريطة الّتي رسمها الإمام لم تكن نتاج فِكرِ إنسانٍ وحسب، لقد كان مؤيَّدًا من عند الله، قطعًا ويقينًا، إنّ الإمام العظيم نفسه كان يعرف ذلك ويُقرّ ويُعلن، لقد قال: "إنّ كلّ ما جرى قد حصل بِيَدِ القُدرة الإلهيّة"، ولقد فَهم الأمر بشكلٍ جيّد، ولقد أبصرت عينُه الثّاقبة (ذلك) بشكلٍ عميق"[6].
 
عدم المعرفة تُوجب الانحراف
إنّ أيَّ إقدامٍ دون معرفةٍ وافية بخطّة السَّير، توجب الوقوع في انحرافاتٍ مُهلكة، خاصّة في زمنٍ تنشدُّ فيه الأنظار إلى نموذج الحُكم الإسلاميّ في إيران. من هنا، ينبغي التّعرُّف بشكلٍ دقيق إلى معالم الخريطة. يُتابع الإمام الخامنئيّ قدس سره فيؤكّد: "إنَّ علينا أن ننتبه، وأن نتعرّف إلى هذه الخريطة كي نتمكّن من متابعة الطّريق. إن لم نعرف الخريطة وانحرفنا عن تصميمها، فإنّنا سنبتعد بالتدرّج يومًا بعد يوم عن المسير الأصليّ والصّراط المستقيم، وحينها سنكون ابتعدنا عن الأهداف المطلوبة. لكي نصل إلى الهدف يجب أن لا نُضلّ الطّريق، ولأجل تحقُّق هذا الأمر، يجب أن تكون الخريطة الأصليّة والأساسيّة دائمًا نُصْب أعيُننا، علينا أن نعرفها ونُدركها جيّدًا"[7].
 
نموذَج الإمام الخمينيّ الفريد
لقد قدّم الإمام الخمينيّ قدس سره في الفترة الّتي مارس فيها التّصدّي للشّأن العام، كمرجعٍ دينيّ، وكوليِّ فقيه أُنموذجًا قلّ نظيره، وقد انطبعت مسيرة بناء هذه الدّولة بشخصيّة الإمام المُذهلة. لذلك يقول الإمام الخامنئيّ قدس سره: "التّعرّف إلى شخصيّة الإمام: إنّ الإمام هو تجسيد عينيّ للحركة العظيمة الّتي أطلقها الشَّعب الإيرانيّ، ونقل بها تاريخَهُ من حالٍ إلى حال. الإمام هو مؤسّس مدرسة فكريّة وسياسيّة واجتماعيّة. لقد آمن الشَّعب الإيرانيّ بهذه المدرسة وهذا الطّريق وهذه الخريطة، وتحرّك ضمن مَسارِها. وإنّ مواصلة هذا الطّريق رهنٌ بالتعرُّف الصّحيح إلى هذه الخريطة. ولا تتسنّى معرفة خريطة الطّريق هذه إلّا عبر معرفة الإمام الّتي نقصد بها معرفة أصول الإمام بشكلٍ صحيح"[8]. طبعًا، معرفة الإمام لا تعني الاقتصار على تتبُّع الحياة الشّخصيّة للإمام من زواياها كافّة، بل المطلوب من المعرفة كما يقول الإمام الخامنئيّ قدس سره: "من البديهيّ أنّ بحثَنا حول مباني الإمام الفكريّة، لا في القرارات المرحليّة المختصّة بزمانٍ أو مكانٍ معيّن، البحث حول تلك الشّاكلة الأساس لفِكر إمامنا العظيم، هذا ما نُريد معرفته بشكلٍ صحيح"[9].
 
معرفة شخصيّة الإمام الخمينيّ مِفتاح الخريطة
يندُر، ولا نقول يستحيل، أن تبرز شخصيّاتٌ جامعةٌ كشخصيّة الإمام الخمينيّ قدس سره، ويتهيّأ لها الظّرف التّاريخيّ المناسب من أجل القيام بهذه الحركة الإصلاحيّة الكبرى. هناك علاقة جدليّة هنا بين شخصيّة الإمام الجامعة ونوعيّة الحركة الاصلاحيّة الّتي قام بها، فبالتّأكيد والمعروف أنّ الأبعاد الفكريّة والمعرفيّة والفقهيّة والفلسفيّة والمعنويّة وغير ذلك، كوّنها الإمام في شخصيّته عبر طَلَب العلم والتّأليف والتّدريس، وكذلك عبر التّجربة العباديّة والمعنويّة، ولكن هناك تجلّيات فكريّة وخبرويّة تأتّت للإمام عبر تماسِّهِ مع النّاس وهمومهم على مدى عقودٍ متطاولة، فضلًا عن التولّي المباشر كوليّ فقيه لشؤونهم كافّة، ممّا أدّى إلى مزيدٍ من صقلٍ لهذه الصّفات المتنوّعة الّتي تحمِلها شخصيّة الإمام، ومزيدٍ من التّماهي مع الحركة الثوريّة والإصلاحيّة الّتي قام بها بمساعدة الشّعب.
 
يقول الإمام الخامنئيّ قدس سره: "لقد كان الإمام فقيهًا كبيرًا، كان فقيهًا بارزًا وكبيرًا، كما كان فيلسوفًا وصاحب رأي في العرفان النّظريّ، وكان يُعدّ رائدًا في هذه المواضيع والمجالات الفنيّة والعلميّة، غير أنّ شخصيّة الإمام البارزة لا ترتبط بأيّ واحدة من هذه الأمور، وإنّما تجلّت شخصيّة الإمام الحقيقيّة في تحقّق آية ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾[10] بمضمونها وتجسيدها، حيث خاض الإمام الخمينيّ العظيم، بما مَلَك من قدرات وإمكانيّات علميّة بارزة، ميدان الجهاد في سبيل الله، واستمرّ في هذا الجهاد حتّى آخر عمره، وأطلَق حركةً عظيمة ليس في بلده وحسب، بل في كلّ أنحاء منطقتنا والعالَم الإسلاميّ، وبمعنى من المعاني في أرجاء العالَم كافّة. وقد أَسفرت هذه الحركة عن نتائج مُنقَطعة النّظير"[11].
 
* من كتاب: نهج الإمام، معالم نهج الإمام الخميني قدس سره من كلام الإمام الخامنئي قدس سره - دار المعارف الإسلامية الثقافية


[1] خطاب الإمام الخامنئيّ قدس سره، المناسبة: الذّكرى السّنويّة السابعة لرحيل الإمام قدس سره الزّمان والمكان: 16 محرم 1417هـ.
[2] خطاب الإمام الخامنئيّ قدس سره، المناسبة: الذّكرى السّنويّة السّابعة لرحيل الإمام قدس سره الزّمان والمكان: 16 محرم 1417هـ.
[3] خطاب الإمام الخامنئيّ قدس سره، مراسم الذّكرى الـ "24" لرحيل الإمام الخمينيّ قدس سره 14/03/1392 هـ.ش.24/07/1434 هـ.ق.04/06/2013 م.
[4] خطاب الإمام الخامنئيّ قدس سره، مراسم الذّكرى الـ "24" لرحيل الإمام الخمينيّ قدس سره 14/03/1392 هـ.ش.24/07/1434 هـ.ق.04/06/2013 م.
[5] خطاب الإمام الخامنئيّ قدس سره، الذّكرى الخامسة والعشرين لرحيل سماحة الإمام الخمينيّ قدس سره في الحرم المطهّر للإمام الخمينيّ قدس سره 4-6-2014م.
[6] خطاب الإمام الخامنئيّ قدس سره، الذّكرى السّنويّة الـ 25 لرحيل الإمام الخمينيّ قدس سره04/06/2014 م.
[7] المصدر نفسه.
[8] خطاب الإمام الخامنئيّ قدس سره، الذّكرى السّادسة والعشرين لرحيل الإمام الخمينيّ قدس سره 04/06/2015م.
[9] المصدر نفسه.
[10] سورة الحجّ، الآية 78.
[11] خطاب الإمام الخامنئيّ قدس سره، الذّكرى السّادسة والعشرين لرحيل الإمام الخمينيّ قدس سره 04/06/2015م.

2026-07-12