المجتمع القرآني والحكومة القرآنية عند الإمام الخامنئي (قدس سره)
ليس الإسلام حاكمًا بنحو عمليّ في المجتمعات الإسلاميّة حاليًّا. فلا الأحكام الإسلاميّة تُنفّذ فيها، ولا نظام الضرائب الإسلاميّ يُطبّق، ولا الثقافة الإسلاميّة تروّج، ولا يُنتخب الحكّام والمسؤولون فيها وفق المعايير الإسلاميّة؛
عدد الزوار: 80المجتمع القرآني والحكومة القرآنية عند الإمام الخامنئي (قدس سره)
ليس الإسلام حاكمًا بنحو عمليّ في المجتمعات الإسلاميّة حاليًّا. فلا الأحكام الإسلاميّة تُنفّذ فيها، ولا نظام الضرائب الإسلاميّ يُطبّق، ولا الثقافة الإسلاميّة تروّج، ولا يُنتخب الحكّام والمسؤولون فيها وفق المعايير الإسلاميّة؛ كثيرون منهم فسقة وفجرة لا يقبلون القرآن. فهل الناس في هذه الدول ملتفتون إلى أنّهم يعيشون في نظام غير إسلاميّ؟ أليس للقرآن كلام في هذا الصدد؟ ومن الذي ينبغي أن ينقل هذا الأمر إلى الناس؟ برأيي، إنّ قرّاء القرآن- الذين أنعم الله عليهم بهذا الشرف العظيم - مقدَّمون في بيان هذه المطالب. أجل، إنّ وصيّتي للسادة هي هذه[1].
نحن لا ندّعي أنّ ما لدينا اليوم هو الحياة الإسلاميّة بنحو كامل؛ ولكنّنا ندّعي أنّنا نسير باتّجاه تحقيق الحياة الإسلاميّة. منذ بداية الثورة إلى اليوم، كانت الخطوط الأساسيّة لكلّ جهد مبذول وسعي حاصل، إسلاميّة وقرآنيّة. ومجتمعنا، بحمد الله، يتقدّم يوميًّا نحو صيرورته مجتمعًا إسلاميًّا، وهذه الحركة لم تتوقّف قطّ، وآمل أن لا تتوقّف أبدًا[2].
المجاهدة لحفظ الحكومة القرآنيّة
على الشباب هذه الأيّام أن يعلموا قدر هذه الرحابة القرآنيّة. فلو كُنتم تعلمون في حقبات القمع كيف كان عشّاق القرآن، وبأيّ مشقّات يُسلّون أنفسهم بالهمسات القرآنيّة الدافئة، لصارت قدرتكم على التلاوة، اليوم، وسماعكم وإسماعكم للترانيم القرآنيّة، أعذب وأعزّ بكثير.
إنّ واجب القرّاء هو أن يجعلوا قراءة القرآن أفضل ّ يومًا بعد يوم. نحن نقول لجميع الناس: ليكنْ أنسكم بالقرآن؛ ونقول للقرّاء كذلك: اجعلوا تلاوتكم يومًا بعد يوم أفضل وأقوى وأصحّ، وبخصائص أكثر جاذبيّة.
إنّ شعبنا مهيّأ للارتباط بالقرآن. يختلف شعبنا عن شعوب البلدان الإسلاميّة الأخرى. لقد جاهد شعبنا في سبيل القرآن حقًّا. ليس الأمر مزاحًا. لقد قدّمنا الكثير من الشباب، وتحمّل شعبنا الكثير من الألم والمشقّة، وكلّ ذلك كان في سبيل القرآن[3].
لو لم يكن كلّ ذلك الجهاد والسعي الصادق الذي قدّمتموه أنتم، يا مجاهدي القوى المسلّحة والتعبئة الشعبيّة في فترة حرب السنوات الثمانية، واعتنقتم الإسلام حقًّا، ورفعتم شأن أمّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولو لم تُسفك الدماء الطاهرة والعطرة في سبيل الله، يقينًا لما كان للنظام الإسلاميّ اليوم من أثر، ولما كانت راية القرآن مرفوعة بهذا النحو[4].
سلام نابع من أعماق الروح، وتحيّة ملائكيّة إلى الأرواح المطهّرة للشهداء الذين اختاروا رضا الله، وأجابوا دعوة عبده المصطفى، وآثروا الدفاع عن الوطن الإسلاميّ وكيان الحكومة القرآنيّة، على لذّة عيش أيّام دنيويّة معدودة، فحملوا أرواحهم على الأكفّ وسارعوا متسابقين إلى ميدان القتال، فارتفعوا إلى الجنّة شهداء، وحظوا بالسعادة الأبديّة. إنّ استقلال إيران اليوم وعزّتها رهينة بذلك الجهاد، ولهذا يجب أن تُسجّل ذكرى هؤلاء الأعزّاء على لائحة إنجازات الجمهوريّة الإسلاميّة دائمًا[5].
أقول لكم أيّها الشباب الأعزّاء! المستقبل لكم. المستقبل لشعب إيران. إنّ مستقبل شعب إيران هو الوصول إلى أعلى قمم العلم والاقتدار والرفاه والشرف. هذا هو مستقبلكم المحتوم، وهو الوعد الإلهيّ. لقد وعدنا القرآن ووعدنا الإسلام أنّ الشعوب إذا تحرّكت وأظهرت الإيمان والغيرة ولم تتعب، وصبرت واستقامت، فسوف تبلغ أهدافها لا محالة. لقد اختبرنا نحن ذلك إلى الآن، وصمدنا ووصلنا إلى أهدافنا الوسيطة. يوجد لدينا خلل في بعض المواطن لأنّنا لم نصمد، وهذا تقصيرنا نحن. لستُ ممّن يجهل مشاكل البلد. كلّا، أعلمها. حيثما كانت لدينا مشاكل وخلل - سواء كانت انعدام العدالة أو الفقر - فالسبب هو أنّنا، نحن المسؤولين وأبناء الشعب، لم نصمد من أجل تحقيق هذه الأهداف. ولو أنّنا صمدنا لصلُحت هذه المشكلات أيضًا. التقصير منّا. يجب أن نصمد[6].
أذكُرُ هنا الثورة الفرنسيّة الكبرى. هذه الثورة حركة شعبيّة انتهت إلى النصر، لكنّ ذلك النصر لم يجرِ الحفاظ عليه وصيانته. كانت الثورة الفرنسيّة الكبرى في سنة 1789م؛ وفي سنة 1800 - أي بعد أحد عشر عامًا - ظهرت في فرنسا حكومة ملكيّة أخرى، حيث تولّى نابليون زمام السلطة... وكأنّ شيئًا مذكورًا لم يكن! ثمّ مات نابليون، وعادت العائلة التي أُقصيت بالثورة إلى السلطة، أي الأسرة البوربونيّة. واستغرق الأمر سنوات طويلة إلى عام 1860م، إذ بقيت سُلالات الملوك والسلاطين تتعاقب في فرنسا. إذن، انتصرت الثورة على أيدي الناس، لكنّ الناس لم يستطيعوا الحفاظ على الثورة. وهذه نقطة على جانب كبير من الأهمّيّة. وقد استطعنا نحن الحفاظ على ثورتنا ببركة الإيمان، وبفضل الإسلام، وبفضل البثّ المتعاقب لروح القرآن الكريم في جسد هذا الشعب، وفي قلوب هؤلاء الجماهير. هذا ما بوسعه ضمان بقاء الحركات واستمرارها وانتصارها. وهذا ما يجب أن يحصل[7].
* من كتاب: حكومة القرآن في فكر الإمام الخامنئي دام ظله - دار المعارف الإسلامية الثقافية
[1] من خطابه في لقاء قرّاء القرآن: محمّد محمود الطبلاوي، أبو العينين شعيشع، وأحمد رزيقي 6/6/1391هـ.ش.
[2] من خطابه في لقاء أعضاء مجلس شورى القيادة 2/3/1392هـ.ش.
[3] من خطابه في لقاء قارئي القرآن: شعبان عبد العزيز الصيّاد، ومحمود صدّيق المنشاوي 11/4/1391هـ.ش.
[4] من رسالته إلى عوائل الشهداء والأسرى والمفقودين على عتبة أسبوع الدفاع المقدّس 14/9/1389هـ.ش.
[5] من رسالته بمناسبة اليوم الثالث لعشرة الفجر المباركة، يوم الإيثار والشهادة، 3/2/1394هـ.ش.
[6] في لقاء جمعٍ من طلّاب المدارس والجامعات والتنظيمات الجامعيّة على عتبة ذكرى 13 آبان، 29/10/2008م.
[7] من خطابه في لقاء المشاركين في المؤتمر الرابع والعشرين للوحدة الإسلاميّة 01/12/1389هـ.ش.


