يتم التحميل...

أصحاب الحسين (عليه السلام): شهداء البصيرة والوفاء

امتاز أصحاب الإمام الحسين عليه السلام بخصائص فريدة جعلتهم أفضل الشهداء الذين لم يجتمع لنبيّ أو وصيّ مثلهم. وقد كان لهؤلاء الأصحاب علاقتهم الخاصّة بسيّد الشهداء عليه السلام حيث برزت منهم مجموعة من المواقف التي تدلّل على عمق هذه العلاقة التي تخطّت مستوى التكليف الشرعيّ، لتصل إلى حالة العشق والمحبّة التي نبعت من معرفتهم بإمام زمانهم عليه السلام.

عدد الزوار: 11

أصحاب الحسين (عليه السلام): شهداء البصيرة والوفاء

امتاز أصحاب الإمام الحسين عليه السلام بخصائص فريدة جعلتهم أفضل الشهداء الذين لم يجتمع لنبيّ أو وصيّ مثلهم. وقد كان لهؤلاء الأصحاب علاقتهم الخاصّة بسيّد الشهداء عليه السلام حيث برزت منهم مجموعة من المواقف التي تدلّل على عمق هذه العلاقة التي تخطّت مستوى التكليف الشرعيّ، لتصل إلى حالة العشق والمحبّة التي نبعت من معرفتهم بإمام زمانهم عليه السلام.
 
1- فضل أصحاب الحسين عليه السلام:
وقد ورد هذا المعنى في العديد من الروايات، فعن أبي عبد الله الصادق عليه السلام في زيارتهم: "أنتم سادة الشهداء في الدنيا والآخرة"[1].
 
وعن أمير المؤمنين عليه السلام لمّا مرّ بكربلاء وطاف بها: قال: "قتل فيها مائتا نبيّ ومائتا سبط كلّهم شهداء، ومناخ ركاب ومصارع عشاق شهداء، لا يسبقهم من كان قبلهم ولا يلحقهم من بعدهم"[2].
 
وحسبنا في هذا المجال ما رُوي عن سيّد الشهداء عليه السلام في حقّهم: "فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي"[3].
 
ولم يكن يخفى فضل هؤلاء ومناقبهم حتّى على أعدائهم- وكما قيل: الفضل ما شهدت به الأعداء - ففي يوم العاشر من المحرّم جاء وصف أصحاب الحسين عليه السلام على لسان عمرو بن الحجّاج عندما صاح بالناس: يا حمقى أتدرون من تقاتلون؟ تقاتلون فرسان أهل المصر وأهل البصائر وقوماً مستميتين لا يبرز منكم إليهم أحد إلّا قتلوه على قلّتهم..[4].
 
2- بين منطق التكليف ومنطق العشق:
جمع الإمام الحسين عليه السلام أصحابه ليلة العاشر من محرّم، وقام خطيباً فيهم فقال بعد الحمد والثناء: "أمّا بعد: فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي فجزاكم الله عنّي خيراً، ألا وإنّي لأظنّ أنّه آخر يوم لنا من هؤلاء، ألا وإنّي قد أذنت لكم فانطلقوا جميعاً في حلٍّ ليس عليكم منّي ذمام، هذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملا"[5].
 
"وليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي فجزاكم الله جميعاً خيراً ثمّ تفرقوا في البلاد في سوادكم ومدائنكم حتّى يفرج الله فإنّ القوم يطلبوني ولو أصابوني لهوا عن طلب غيري"[6].
 
وبذلك أسقط عنهم التكليف الشرعيّ وأحلّهم من بيعته، فماذا كان موقفهم؟ وكيف اجتازوا هذا الامتحان الخطير؟
 
يقول الشيخ المفيد رحمه الله:
• قال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه وابنا عبد الله بن جعفر: لم نفعل ذلك؟! لنبقى بعدك؟! لا أرانا الله ذلك أبداً. بدأهم بهذا القول العبّاس بن عليّ رضوان الله عليه واتبعته الجماعة عليه فتكلّموا بمثله ونحوه.
 
• فقال الحسين عليه السلام: "يا بني عقيل، حسبكم من القتل بمسلم، فاذهبوا أنتم فقد أذنت لكم". قالوا: سبحان الله، فما يقول الناس؟! يقولون: إنّا تركنا شيخنا وسيّدنا وبني عمومتنا- خير الأعمام- ولم نرم معهم بسهم، ولم نطعن معهم برمح، ولم نضرب معهم بسيف، ولا ندري ما صنعوا؟! لا والله ما نفعل ذلك، ولكن (تفديك أنفسنا وأموالنا وأهلونا)، ونقاتل معك حتّى نرد موردك، فقبّح الله العيش بعدك[7].
 
• وقام إليه مسلم بن عوسجة فقال: أنحن نخلّي عنك ولمّا نعذر إلى الله سبحانه في أداء حقّك؟! أما والله حتّى أطعن في صدورهم برمحي، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة، والله لا نخلّيك حتّى يعلم الله أن قد حفظنا غيبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيك، والله لو علمت أنّي أقتل ثمّ أحيا ثمّ أحرق ثمّ أحيا ثمّ أذرى، يُفعل ذلك بي سبعين مرّة ما فارقتك حتّى ألقى حمامي دونك، فكيف لا أفعل ذلك وإنّما هي قتلة واحدة ثمّ هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا[8].
 
• وقام زهير بن القين البجليّ - رحمة الله عليه - فقال: والله لوددت أنّي قتلت ثمّ نشرت ثمّ قتلت حتّى أقتل هكذا ألف مرّة، وأنّ الله تعالى يدفع بذلك القتل عن نفسك، وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك[9].
 
عند ذلك أخبرهم بمقتلهم جميعاً، فقد روي أنّه قال لهم: "يا قوم إنّي في غد أقتل وتقتلون كلّكم معي، ولا يبقى منكم واحد". فقالوا: الحمد لله الذي أكرمنا بنصرك، وشرّفنا بالقتل معك، أو لا نرضى أن نكون معك في درجتك يا بن رسول الله؟ فقال: "جزاكم الله خيراً"، ودعا لهم بخير فأصبح وقتل وقتلوا معه أجمعين.
 
وهنا انبرى القاسم بن الحسن ليسأل الإمام عليه السلام: وأنا فيمن يقتل؟ فأشفق عليه. فقال له: "يا بني، كيف الموت عندك؟!" قال: يا عمّ أحلى من العسل. فقال: "إي والله، فداك عمّك، إنّك لأحد من يقتل من الرجال معي، بعد أن تبلو ببلاء عظيم"[10].
 
وهذه الكلمة تفتح لنا الأفق للتعرّف على منطق شهداء كربلاء في التعامل مع الإمام الحسين عليه السلام، وهو منطق العشق والمحبّة للإمام الحسين عليه السلام، كما في الرواية عن أمير المؤمنين عليه السلام في وصفهم: "ومصارع عشّاق شهداء"، هذه المحبّة وهذا العشق الذي به نالوا به مقام المحبّة الإلهيّة كما جاء عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "حسين منّي وأنا من حسين، أحبّ الله من أحبّ حسينا.."[11]. فجاء في زيارتهم: "السلام عليكم يا أولياء الله وأحبّاءه، السلام عليكم يا أصفياء الله وأودّاءه"[12].
 
* من كتاب: زاد عاشوراء للمحاضر الحسيني ١٤٣٥ هـ - جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


[1] - فروع الكافي ج 4 ص 574.
[2] - بحار الأنوار ج 45 ص 41 ص 295.
[3] - الإرشاد ج 2 ص 91.
[4] - بحار الأنوار ج 45 ص 19.
[5] - الإرشاد ج 2 ص 91.
[6] - الكامل في التاريخ ج 4 ص 57- 58.
[7] - الإرشاد ج 2 ص 91- 92.
[8] - الإرشاد ج 2 ص 92.
[9] - الإرشاد ج 2 ص 92.
[10] - مدينة المعاجز ج 4 ص 215.
[11] - كامل الزيارات ص 116.
[12] - مصباح المتهجد ص 722.ش

2026-06-18