على عهدِنا باقون، ولخطِّ الإمام القائدِ الشهيدِ مستمرّون.
التعميمُ الثقافيُّ اليوميُّ في أيّامِ الجهادِ في سبيلِ الله، زادٌ لتقويةِ النفوسِ، وشدٍّ للعزائمِ، وترسيخ للثباتِ في الميدان.
الخطاب الثقافي (رقم 49)
الدعاءُ… سلاحُ المؤمنين ومددُ المجاهدين
في زمنِ المحن، حينَ تضيقُ الأرضُ بما رحُبت، ويشتدُّ البلاءُ على الناس، لا يكونُ الدعاءُ ترفًا روحيًّا ولا مجرّدَ طقسٍ عابر، بل يتحوّلُ إلى جبهةٍ من جبهاتِ المواجهة، وسلاحٍ من أسلحةِ الثبات، ومددٍ غيبيٍّ يربطُ الأرضَ بالسماء. فاللهُ تعالى لم يجعلِ الدعاءَ أمرًا هامشيًّا، بل جعلهُ عبادةً عظيمةً، حتى قال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، وقال عزّ وجلّ: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾.
وحينَ نقرأُ سيرةَ النبيِّ وآلِ بيتِه عليهم السلام، نجدُ أنّ الدعاءَ كان حاضرًا في قلبِ المواجهة، لا بعدها فقط. فهذا رسولُ الله صلى الله عليه وآله يومَ بدرٍ رفعَ يديه حتى سقط رداؤه وهو يناشدُ ربَّه بالنصر، لأنّ السماءَ تُفتحُ بالإلحاح، ولأنّ القلوبَ إذا صدقت مع الله تغيّرت بها موازينُ الأرض. وهذا أميرُ المؤمنين عليٌّ عليه السلام، سيّدُ المجاهدين، كان إذا اشتدّتِ الخطوبُ لجأ إلى الله، يعلمُ أنّ القوّةَ الحقيقيّة ليست في السيفِ وحده، بل في اليدِ المرفوعةِ إلى السماء.
وقد ورد عن رسولِ الله صلى الله عليه وآله: «الدعاءُ سلاحُ المؤمن، وعمودُ الدين، ونورُ السماواتِ والأرض».
وعن الإمامِ الصادق عليه السلام: «عليكم بالدعاءِ، فإنّكم لا تتقرّبون بمثله».
وعنه عليه السلام أيضًا: «إنَّ الدعاءَ يردُّ القضاءَ وقد أُبرِمَ إبرامًا».
وعن أميرِ المؤمنين عليه السلام: «ادفعوا أمواجَ البلاءِ بالدعاءِ قبل ورودِ البلاءِ».
إنّ مدرسةَ أهلِ البيت عليهم السلام لم تكنْ يومًا مدرسةَ استسلامٍ أو اتّكالٍ فارغ، بل مدرسةَ جمعٍ بين الأخذِ بالأسبابِ والتوكّلِ على الله. فالمجاهدُ في الميدانِ يقاتلُ ببأسِه وسلاحِه ودمِه، لكنّه أيضًا يحملُ الدعاءَ في قلبِه قبل بندقيّتِه، ويعلمُ أنّ النصرَ الحقيقيَّ من عندِ الله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
ونحنُ — بيئتَه وأهلَه وأحبّتَه — لسنا خارجَ دائرةِ التكليف، بل لنا دورٌ ومسؤوليّة. فإن كان المجاهدُ يرابطُ على الثغور، فنحنُ يجبُ أن نرابطَ بالدعاءِ، وأن نكونَ سندًا روحيًّا ومعنويًّا له، نرفعُ الأكفَّ بإخلاصٍ وإلحاح، ونسألُ اللهَ أن يحفظَ المجاهدين، ويثبّتَ أقدامَهم، وينزلَ عليهم نصرَه وتأييدَه. فما أحوجَ أهلَ الأرضِ إلى مددِ السماءِ، وما أحوجَ المقاومَ إلى دعوةِ أمٍّ صادقة، ودمعةِ أبٍ مخلص، وتسبيحةِ مؤمنٍ يوقنُ أنّ اللهَ لا يخذلُ أولياءَه.
وقد علّمنا الإمامُ زينُ العابدين عليه السلام في أدعيتِه أن يكونَ الدعاءُ موقفًا لا كلمات، وروحًا لا صوتًا فقط؛ فكان يدعو للمجاهدين وحماةِ الثغور، ويقولُ في الصحيفةِ السجّاديّة: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَحَصِّنْ ثُغُورَ الْمُسْلِمِينَ بِعِزَّتِكَ، وَأَيِّدْ حُمَاتَهَا بِقُوَّتِكَ…».
فلنُكثرْ في هذه الأيّامِ من الدعاءِ، ولنجعلْ من ليالينا مواطنَ تضرّعٍ وابتهال، ومن دموعِنا رجاءً بالنصر، ومن يقينِنا عهدًا مع الله ألّا نفترَ عن الدعاءِ للمجاهدين والمستضعفين. فإنّ الأمّةَ التي تجمعُ بينَ التضحيةِ في الميدان، والصدقِ مع اللهِ في الدعاء، أمّةٌ لا تُهزم، لأنّها أخذتْ بأسبابِ الأرضِ واستمدّتْ عونَ السماءِ.


