يتم التحميل...

الخطاب الثقافي (رقم 48)

عاشوراء… مدرسةُ الأحرار

عدد الزوار: 8

على عهدِنا باقون، ولخطِّ الإمام القائدِ الشهيدِ مستمرّون.

التعميمُ الثقافيُّ اليوميُّ في أيّامِ الجهادِ في سبيلِ الله، زادٌ لتقويةِ النفوسِ، وشدٍّ للعزائمِ، وترسيخ للثباتِ في الميدان.

الخطاب الثقافي (رقم 48)

عاشوراء… مدرسةُ الأحرار


لم يخرجِ الإمامُ الحسينُ عليه السلام ليطلب الدنيا، ولا باحثًا عن راحةٍ أو نجاة، بل خرج وهو يعلمُ أنّ هذا الطريقَ مليءٌ بالدموع والدماء، وأنّ خلفه نساءً سيُسبين، وأطفالًا سيذوقون العطش، وأصحابًا سيُقطَّعون بين يديه، ومع ذلك مضى؛ لأنّ القضيةَ كانت أكبرَ من حياةٍ فرديّة، وأعظمَ من حساباتِ الربح والخسارة. لقد خرج ليقول إنّ الدين لا يُحفَظُ بالصمت أمام الباطل، وإنّ كرامةَ الإنسانِ أثمنُ من العمر كلّه.
ولذلك قال عليه السلام: «إنّما خرجتُ لطلبِ الإصلاحِ في أُمّةِ جدّي».

وقال حين سُئل عن خروجه مع علمه بالمصير: «شاء الله أن يراني قتيلًا».

إنّه اليقينُ بالله… اليقينُ الذي يجعلُ الإنسانَ ثابتًا ولو تكالبت عليه الدنيا كلّها.

ومن هنا نفهم عاشوراء في واقعنا اليوم؛ نفهمها في وجوهِ المهجّرين من بيوتهم، وفي صبرِ الأمهات اللواتي ودّعن أبناءهن، وفي أولئك الذين ناموا تحت القصف وما تركوا خيارَ الكرامة، وفي المقاوم الذي يعرف أنّ الطريقَ مليءٌ بالتضحيات، لكنّه يمضي لأنّه يرى أنّ الوقوفَ مع الحقِّ عبادة، وأنّ الصبرَ في سبيل الله جهاد.

فكما وقف الحسينُ عليه السلام في كربلاء غريبًا محاصرًا، وقف كثيرٌ من أهلنا اليوم في القرى والبيوت المهدّمة، يحملون وجعَ الفقد والتهجير والحصار، لكنّهم لم يسقطوا نفسيًّا، لأنّهم تربّوا على أنّ المؤمنَ لا تُكسِره المحن، بل تصنعُ منه أصلبَ وأقربَ إلى الله.
عاشوراء ليست روايةً من الماضي، بل روحٌ تسري في كلِّ مَن صبرَ وثبتَ وجاهد.

هي في تلك الأمّ التي تقول وسط الدمار: “الحمد لله”.

وفي ذلك المجاهد الذي يترك أهلَه ويقفُ حيث يجب أن يقف.

وفي ذلك المهجَّر الذي خسر بيتَه ولم يخسر كرامتَه ولا إيمانَه.

وهنا تتجلّى الحقيقة الكبرى: أنّ من كان مع الله كان الله معه، ومن ينصرِ اللهَ ينصرْه ويثبّتْ قدمه.

فقد ينتصرُ أهلُ الباطل ظاهرًا بالقوة والسلاح، لكنّهم لا يستطيعون هزيمةَ روحٍ تعلّقت بالله، ولا كسرَ شعبٍ يرى في الحسين عليه السلام مدرسةً وفي الصبر عبادةً وفي التضحية طريقًا إلى العزّة.

لهذا بقي الحسين عليه السلام خالدًا، وبقيت كربلاء حيّة؛ لأنّ الدمَ الذي يُراقُ لله لا يموت، ولأنّ الأحرارَ مهما هُجّروا وتألموا وجاعوا، يبقون أقربَ إلى النصر من أولئك الذين باعوا ضمائرهم خوفًا أو طمعًا.

فعاشوراءُ ليست موسمَ حزنٍ عابر، بل مدرسةُ الأحرار… التي تعلّمنا كيف نصبر، وكيف نقاوم، وكيف نبقى مع الله مهما اشتدّت علينا الليالي.

2026-05-20