على عهدِنا باقون، ولخطِّ الإمام القائدِ الشهيدِ مستمرّون.
التعميمُ الثقافيُّ اليوميُّ في أيّامِ الجهادِ في سبيلِ الله، زادٌ لتقويةِ النفوسِ، وشدٍّ للعزائمِ، وترسيخ للثباتِ في الميدان.
الخطاب الثقافي (رقم 41)
الصلاة حصن الروح وثبات القلب
أيّها النازحون والصامدون، إنّ من أهمّ ما ينبغي الالتفات إليه في هذه الظروف الصعبة، هو الحفاظ على الصلاة، لا من حيث أصل أدائها فقط، بل من حيث كيفيّتها وروحها؛ فإنّ الصلاة هي أساس ما يُحفظ به دين الإنسان، وهي الميزان الذي يُعرف به حاله مع ربّه.
يقول الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (سورة المؤمنون، الآيتان 1 و2)، فالفلاح لم يُجعَل لمجرّد أداء الصلاة، بل للخشوع فيها، وهذا يدلّ على أنّ المطلوب حضور القلب وخضوعه بين يدي الله.
وفي زمن الحرب، قد تضيق الأحوال، وتكثر الهموم، وينشغل الإنسان بما حوله من أخطار، فيقع التقصير في الصلاة، إمّا بتركها، أو بأدائها بلا توجّه. وهذا من الخسارة؛ لأنّ الإنسان في هذه الظروف أحوج ما يكون إلى ما يثبّته ويُسكّنه، والصلاة هي أعظم ما يُستعان به على ذلك.
وقد أرشدنا الله تعالى إلى هذا المعنى بقوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ (سورة البقرة، الآية 45)، فالصلاة ليست مجرّد عبادة، بل وسيلة استعانة، يلجأ إليها الإنسان عند الشدّة والضيق. وفي هذا السياق، ورد أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) كان إذا حزنه أمر استعان بالصلاة والصوم، وعن الإمام الصادق (عليه السلام): «ما يمنع أحدكم إذا دخل عليه غمٌّ من غموم الدنيا أن يتوضّأ، فيدخل المسجد، فيركع ركعتين، يدعو الله فيهما، أما سمعت الله يقول: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾» (العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج88، ص341). وهذا توجيه عمليّ واضح: عند الحزن والقلق، لا يترك الإنسان الصلاة، بل يزيد إقبالاً عليها، ويجعلها ملجأه.
إنّ الصلاة لا تسقط بحال، وهي ممكنة في كلّ ظرف، وحال الأمن أو الخوف. وقد أراد الله لها أن تكون صلةً دائمة بين العبد وربّه، لا تنقطع بتغيّر الظروف.
وقد ورد في سيرة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) أنّه كان إذا قام إلى الصلاة تغيّر وجهه خوفاً من الله، وكذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) كان إذا حضر وقت الصلاة تزلزل، ويقول: «جاء وقت أمانةٍ عرضها الله تعالى على السماوات والأرض والجبال، فأبَيْنَ أن يحملْنها، وحملها الإنسان…» (العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج81، ص256)، وهذا يبيّن عِظَم هذه العبادة.
أمّا الخشوع، فحقيقته ما ورد عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله): «التواضع في الصلاة، وأن يُقبل العبد بقلبه كلّه على ربّه عزّ وجلّ» (العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج81، ص264)، فكلّما كان القلب حاضراً، كانت الصلاة أقرب إلى القبول، وأشدّ أثراً في النفس. وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: «يا كُميل، ليس الشأن أن تصلّي وتصوم وتتصدّق، الشأن أن تكون الصلاة بقلبٍ نقيّ، وعملٍ عند الله مرضيّ، وخشوعٍ سويّ» (ابن شعبة الحرّاني، تحف العقول، ص174). فالعبرة في كيفيّة الصلاة.
ويمكن للإنسان أن يقترب من الخشوع إذا التفت إلى بعض الأمور؛ بأن يُخفّف من شواغله، ويستحضر أنّه واقف بين يدي الله، ويتذكّر الحساب، فعن الإمام الصادق (عليه السلام): «إذا استقبلْتَ القبلةَ فانسَ الدنيا وما فيها، والخلقَ وما هم فيه، واستفرغ قلبَك من كلّ شاغل يشغلك عن الله، وعاين بسرِّك عظمةَ الله...» (الميرزا النوريّ، مستدرك الوسائل، ج4، ص96).
أيّها الأحبّة، إنّ الصلاة بخشوع ليست فقط واجباً، بل هي حاجة في زمن الشدّة، وهي من أهمّ أسباب الصبر والثبات. فمَن ضاق صدره، فليُقبل على الصلاة، ومَن اشتدّ عليه الخوف، فليلجأ إليها، ومَن أثقلته الهموم، فليجعلها طريقه إلى الله؛ فإنّها سببٌ في طمأنينة القلب، وثبات الإنسان في وجه المِحَن.
2026-04-18

