يتم التحميل...

مرتكزات الرؤية الإسلاميّة في بناء الدولة المعاصرة

تستند مرتكزات الدولة الإسلاميّة في عصر غيبة المعصوم عليه السلام إلى المنظومة التشريعيّة الشموليّة لكلِّ مناحي الحياة، والّتي قد وضع معالمها وقواعدها الله تعالى في القرآن الكريم، ثمّ قام رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام من بعده بتفصيلها وتبيانها للناس، لكي يسيروا على هديها نحو بناء الدولة الإسلاميّة.

عدد الزوار: 18

مرتكزات الرؤية الإسلاميّة في بناء الدولة المعاصرة

تستند مرتكزات الدولة الإسلاميّة في عصر غيبة المعصوم عليه السلام إلى المنظومة التشريعيّة الشموليّة لكلِّ مناحي الحياة، والّتي قد وضع معالمها وقواعدها الله تعالى في القرآن الكريم، ثمّ قام رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام من بعده بتفصيلها وتبيانها للناس، لكي يسيروا على هديها نحو بناء الدولة الإسلاميّة.
 
وتُقسّم هذه المرتكزات إلى ثلاث ركائز أساس في الفقه الإسلاميّ، على النحو التالي:
 
1 - الله تعالى مصدر السلطات جميعاً.
 يقوم التشريع الإسلاميّ على ركيزة أساس وأوّليّة، ألا وهي الإيمان المطلق بأنّ الله تعالى هو مصدر السلطات جميعاً، و هو المصدر الّذي يستمدّ منه الدستور شرعيّته، وتُشرّع على ضوئه القوانين[1] في بناء الدولة.
 
وهذه الحقيقة الكبرى تُعتبر أعظم ثورة قام بها الأنبياء عليهم السلام، ومارسوها في معركتهم، من أجل تحرير الإنسان من عبودية الإنسان، أي إنّ الإنسان حرٌّ ولا سيادة لإنسان آخر أو لطبقة أو لأيّ مجموعة بشريّة عليه، وإنّما السيادة لله وحده، وبهذا يوضع حدّ نهائيّ لكلِّ ألوان التحكُّم وأشكال الاستغلال وسيطرة الإنسان على الإنسان.
 
طبعاً إنّ هذه السيادة لله تعالى والّتي دعا إليها الأنبياء والأولياء عليهم السلام على مرّ التأريخ، تختلف اختلافاً أساساً عن نظريّة الحقّ الإلهيّ، الّتي استغلّها الطغاة والملوك قروناً من الزمن للتحكُّم والسيطرة على الآخرين، فإنّ هؤلاء وضعوا السيادة اسميّاً لله لكي يحتكروها واقعيّاً، ويُنصّبوا أنفسهم خلفاء الله على الأرض.
 
أمّا الأنبياء والأولياء عليهم السلام وكلُّ من سار على خطاهم في طريق تحرير الإنسان من عبودية الإنسان، فقد آمنوا بهذه السيادة الإلهيّة، وحرّروا بها أنفسهم الإنسانية وغيرهم من سلطة الإنسان المزوّرة على مرّ التأريخ. إنّهم أعطوا لهذه الحقيقة مدلولها الموضوعيّ المُتمثِّل في الشريعة النازلة بالوحي من السماء، فلم يعد بالإمكان أنْ تُستغلّ لتكريس سلطة فرد أو عائلة أو طبقة بوصفها سلطة إلهيّة، بل إنّما السيادة والسلطة لله وحده.
 
والنتيجة: ما دام الله تعالى مصدر السلطات، وكانت الشريعة هي التعبير الموضوعيّ المحدّد عن الله تعالى، فمن الطبيعيّ أنْ تحدّد الطريقة الّتي تُمارَس بها هذه السلطات عن طريق الشريعة الإسلاميّة.
 
2 - المرجعيّة الرشيدة (الوليّ الفقيه):
 تُعتبر المرجعيّة الدينيّة حقيقة اجتماعيّة موضوعيّة في الأمّة، وتقوم على أساس الموازين الشرعيّة العامّة، بمعنى أنّ المرجعية الرشيدة هي المُعبِّر الشرعيّ عن الإسلام، والمرجع هو النائب العامّ عن الإمام عليه السلام من الناحية الشرعيّة، وله الولاية والقيمومة على تطبيق الشريعة، وحقّ الإشراف الكامل من هذه الزاوية، وهذا ما نصَّ عليه إمام العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف حينما قال: "وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله"[2].
 
لذا لا بُدَّ أن تتّصف هذه المرجعيّة الرشيدة بمجموعة صفات محدَّدة، منها:
 
1 ـ الاجتهاد الفقهيّ المطلق.
 
2 ـ العدالة والكفاءة.
 
3 ـ الإيمان بالدولة الإسلاميّة وضرورة حمايتها.
 
4 ـ أن تُرشّحه أكثرية أعضاء مجلس المرجعيّة (مجلس الخبراء).
 
ومن هذا المنطلق تتولّى المرجعيّة الرشيدة وظائف عدّة، منها:
 
1 ـ المرجع هو المُمثِّل الأعلى للدولة والقائد الأعلى للجيش.
 
2 ـ المرجع هو الّذي يُرشِّح أو يُمضي ترشيح الفرد الفائز بمنصب رئاسة السلطة التنفيذيّة.
 
3 ـ على المرجعيّة البتّ في دستوريّة القوانين الّتي يُعيّنها مجلس أهل الحلّ والعقد (مجلس الشورى الإسلاميّ) وذلك لملء منطقة الفراغ التشريعيّ.
 
3 - دور الأمّة (الشعب):
 أُسندت السلطة التشريعيّة والسلطة التنفيذيّة ممارستها إلى الأمّة، فالأمّة هي صاحبة الحقّ في ممارسة هاتين السلطتين بالطريقة الّتي يُعيِّنها الدستور الإسلاميّ.
 
وهذا الحقّ حقّ استخلاف ورعاية مستمدّ من مصدر السلطات الحقيقيّ وهو الله تعالى، وبهذا ترتفع الأمّة وهي تُمارس السلطة إلى قِمّة شعورها بالمسؤوليّة، لأنّها تُدرك أنّها تتصرّف بوصفها خليفة الله في الأرض.
 
 ولذا ليست الأمّة هي صاحبة السلطان، وإنّما هي المسؤولة أمام الله سبحانه عن حمل الأمانة وأدائها، قال تعالى: "إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ"[3].
 
طرق ممارسة حقّ الرعاية:
 
ويُمكن للأمّة (الشعب) أن تُحقِّق هذه الرعاية وتُمارِس حقّ الاستخلاف بالطرق التالية:
 
1 - يعود إلى الأمّة انتخاب رئيس السلطة التنفيذيّة بعد أن يتمَّ ترشيحه من قبل المرجعيّة ـ كما أشرنا سابقاً ـ ويتولّى الرئيس المُنتَخَب بعد ذلك بنفسه تكوين أعضاء الحكومة.
 
2 - ينبثق عن الأمّة بالانتخاب المباشر مجلس أهل الحلّ والعقد (مجلس الشورى الإسلاميّ)، ويقوم هذا المجلس بوظائف عدّة، منها:
 
أ - إقرار أعضاء الحكومة الّتي شكّلها رئيس السلطة التنفيذيّة.
 
ب - ملء منطقة الفراغ بتشريع قوانين مناسبة.
 
ج - الإشراف على سير تطبيق الدستور والقوانين.
 
د - مراقبة أداء السلطة التنفيذيّة ومساءلتها.
  
* من كتاب: نظرية الدولة في الإسلام - جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


[1] - ملاحظة هامّة: تقسم قوانين الشريعة الإسلاميّة إلى قسمين:
أ ـ قوانين ثابتة، أي لا تتغيّر مع تغيّر الزمان أو المكان، وليس لأحد حقّ التصرُّف فيها (مثال: قوانين الإرث والنكاح وغيرها...).
ب ـ قوانين متغيّرة، أي تتغيّر مع تغيّر الزمان والمكان وتواكب المتغيّرات والمستجدّات، بحيث يستطيع الفقيه سنّ مثل هذه القوانين انطلاقاً من الالتزام بالأصول والثوابت الإسلاميّة العامّة وما تتطلبه ضرورات المجتمع الإسلامي. (مثال: تقديم الأهمّ على المهمّ في مسألة هدم منزل شخص ما بغية توسيع طريق لعموم الناس وتحقيقاً لمصلحتهم). وهذه القوانين يُطلق عليها (الأحكام الولائيّة) ضمن منطقة الفراغ كما يُسميّها الشهيد الصدر قدس سره.
[2] - المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار، مؤسّسة الوفاء، الطبعة الثانية المصحَّحة، ج35، ص180.
[3] - سورة الأحزاب، الآية: 72 .

2026-04-10