يتم التحميل...

الدنيا المذمومة في الرؤية الإسلامية

يجب أن نعرف أيّة دنيا هي الدنيا التي ذمَّتها الروايات، لأنَّ الإنسان هو ابن هذه الدنيا، وهو يحيا فيها ويأكل ويتناسل فيها.. وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "العبادة سبعون جزءاً أفضلها طلب الحلال"

عدد الزوار: 22

الدنيا المذمومة في الرؤية الإسلامية

يجب أن نعرف أيّة دنيا هي الدنيا التي ذمَّتها الروايات، لأنَّ الإنسان هو ابن هذه الدنيا، وهو يحيا فيها ويأكل ويتناسل فيها.. وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "العبادة سبعون جزءاً أفضلها طلب الحلال"[1].
 
فهل المذموم هو ما نراه أمامنا من المأكل والملبس والمسكن... أم هو شيء آخر؟
 
الذي يستفاد من القرآن الكريم وروايات المعصومين عليهم السلام أنَّ المذموم من الدنيا، هو الاستغراق فيها والتعلّق بها، بحيث تصبح عائقاً أمام حركة الإنسان نحو الله، وهو ما عبَّرت عنه الروايات بـ "حبّ الدنيا"، الذي لا يعني مجرَّد الاستفادة من الأمور الدنيويّة، بل أن يرتبط القلب بهذه الأمور وتصبح له عُلْقَة شديدة بها، وقد ورد عن الإمام علي عليه السلام: "إيّاك وحبّ الدنيا فإنَّها أصل كلّ خطيئة ومعدن كلّ بلية"[2].
 
الدنيا ممرّ للآخرة
من المناسب هنا أن نبحث في حقيقة الدنيا، وهو ما يساعد على توضيح المطلب السابق.
 
يعتقد الإسلام بوجود عالَمَين: عالَم الدنيا، وهو الذي نحيا فيه، وعالَمُ الآخرة، وهو الذي نصير إليه، وعالَم الدنيا ليس إلَّا مجرَّد ممرّ للآخرة، إنَّها المكان الذي نبني فيه آخرتنا، ونحدّد فيه مصيرنا في الآخرة، ولهذا من يدرك حقيقة الدنيا هذه فإنَّه لن يركن إليها، بل سيعمل للتزوّد منها إلى دار البقاء، يقول الإمام عليّ عليه السلام: "فإنَّ الدنيا لم تُخْلَق لَكُمْ دارَ مُقَامٍ، بَلْ خُلِقَتْ لَكُمْ مَجَازاً لِتُزَوَّدُوا منها الأعمَالَ إلى دارِ القَرارِ.."[3].
 
نتيجة الرؤية الإسلاميّة للدنيا
إنَّ لهذه الرؤية نتائج عديدة على المستوى العمليّ، وعلى مستوى تزكية النفس، نجملها بأنَّ من يحمل هذه الرؤية، فإنَّه سيسعى جاهداً لإقامة علاقة متوازنة بين أمرين:

1- من خلال الاستفادة من الدنيا للآخرة: وذلك عبر الاستفادة من جميع الفرص المتاحة له فيها، لزيادة أجره وثوابه في الآخرة، لأنَّها الهدف ودار القرار.
 
فعن ابن أبي يعفور قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: "إنَّا لنحبّ الدنيا، فقال لي: تصنع بها ماذا؟ قلت: أتزوج منها وأحجّ وأنفق على عيالي وأنيل إخواني وأتصدق، قال عليه السلام: "ليس هذا من الدنيا، هذا من الآخرة"[4].
 
2- التمتّع بنعم الدنيا: يقول تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾[5].
 
إنّ الرؤية القرآنيّة للدنيا تبصّر المؤمن بأنّ الدنيا طريق للعبور إلى الآخرة، فلا بأس بالتمتع ببعض رزق الله سبحانه في الدنيا شرط أن لا تُنسي الآخرة، وأن يكون المرجوّ في كل عمل رضوان الله تعالى.
 
أهل الدنيا وأهل الآخرة
إنَّ الرؤية السابقة تسهم في التمييز بين فئتين:

1- أهل الدنيا: وهم الذين جعلوا الدنيا هدفاً، ورضوا بها، وأصبحوا عبيداً لها، يقول تعالى في وصفهم وبيان مآلهم: ﴿إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾[6]. إنَّ أهل الدنيا قلوبهم متعلّقة بالدنيا منجذبة إليها، وهذه القلوب لن تكون محلّاً لنور الله تعالى، يقول الإمام عليّ عليه السلام "حرام على كلّ قلب متولِّه بالدنيا أن يسكنه التقوى"[7].
 
2- أهل الآخرة: وهم الذين جعلوا الآخرة هدفاً، وعملوا لها، ولم ينظروا للدنيا إلّا كجسر يعبر بهم إلى دار الآخرة. يقول الإمام عليّ عليه السلام: "الناس في الدنيا عاملان: عامل عمل في الدنيا للدنيا، قد شغلته دنياه عن آخرته، يخشى على من يَخْلُفُهُ الفقر ويأمنه على نفسه، فيفني عُمُرَهُ في منفعة غيره، وعامل عمل في الدنيا لما بعدها، فجاءه الذي له من الدنيا بغير عمل، فأحرز الحظّين معاً وملك الزَّادَيْنِ جميعاً، فأصبح وجيهاً عند الله"[8].
 
* من كتاب: دروس تمهيدية في تزكية النفس - جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


[1] الشيخ الكليني، الكافي، ج 5، ص 78.
[2] الآمدي، غرر الحكم، ص 95.
[3] الشريف الرضي، نهج البلاغة، خطبة: 132.
[4] العلامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 73، ص 63.
[5] سورة الأعراف، الآية 32.
[6] سورة يونس، الآيتان7 و8.
[7] الآمدي، غرر الحكم، ص 192.
[8] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الكلمات القصار، رقم 271.

2026-04-10